أطلق ولي العهد السعودي محمد بن سلمان خلال الأشهر الماضية سلسلة إصلاحات اقتصادية وتشريعية متسارعة، تعكس تحوّلًا واضحًا في أولويات المملكة، مع تركيز متزايد على جذب الاستثمار الأجنبي المباشر بوصفه ركيزة أساسية لمعالجة الضغوط المالية المتنامية وتسريع مسار تنويع الاقتصاد بعيدًا عن النفط.
وخلال فترة زمنية قصيرة، اتخذت السعودية خطوات لافتة شملت تجميد الإيجارات، وفتح باب تملّك العقارات أمام الأجانب، وتخفيف القيود على قوانين المشروبات الكحولية، إضافة إلى تحرير سوقها المالية أمام المستثمرين من مختلف أنحاء العالم.
ووبحسب وكالة بلومبيرغ تأتي هذه الإجراءات ضمن محاولة واضحة لتعزيز قدرة المملكة التنافسية في مواجهة دبي، التي رسخت مكانتها خلال العقدين الماضيين كمركز مالي واستثماري إقليمي.
وتكتسب هذه التحركات أهمية خاصة في ظل التحديات المالية التي تواجهها الرياض. فمنذ عام 2022، تسجّل المملكة عجزًا ماليًا متواصلاً نتيجة تراجع الإيرادات مقارنة بحجم الإنفاق، إلى جانب عجز في الحساب الجاري استمر خمسة فصول متتالية.
وقد دفع ذلك الحكومة إلى زيادة وتيرة الاقتراض، وتقليص إضافي في بعض “المشروعات العملاقة”، في وقت يسهم فيه تباطؤ نمو الائتمان المحلي في تعميق الضغوط.
وتقول مونيكا مالك، كبيرة الاقتصاديين في بنك أبوظبي التجاري، إن “العجزين المالي والجاري، إلى جانب الضغوط على التمويل المحلي، تعني أن البلاد بحاجة فعلية إلى الاستثمار الأجنبي المباشر”، معتبرة أن هذه التدفقات لم تعد خيارًا تكميليًا، بل ضرورة اقتصادية.
وتكشف تقلبات أسعار النفط الأخيرة هشاشة المشهد المالي؛ إذ تجاوز خام برنت مؤقتًا حاجز 70 دولارًا للبرميل قبل أن يتراجع بسرعة، في تذكير بمدى سرعة تغيّر المعادلات الاقتصادية للمملكة.
ولا تزال الأسعار دون مستوى يقارب 100 دولار للبرميل، وهو السعر الذي تقدّر بلومبرغ إيكونوميكس أن السعودية تحتاجه لتحقيق توازن في ميزانيتها.
ورغم امتلاك المملكة مقومات نمو جذابة، تشمل تعدادًا سكانيًا يقارب 35 مليون نسمة، غالبيتهم دون 35 عامًا، وصندوق ثروة سيادي بقيمة تريليون دولار، إلا أن تحويل هذه الإمكانات إلى نمو مستدام يتطلب تدفقات رأسمالية أجنبية أكبر، لتمويل قطاعات تمتد من السياحة إلى التكنولوجيا والتعدين.
وتستهدف الرياض جذب 47 مليار دولار من الاستثمار الأجنبي المباشر خلال العام الجاري، ونحو 60 مليار دولار بحلول 2027، مقارنة بنحو 32 مليار دولار في 2024.
غير أن صافي التدفقات، بعد احتساب سحب الاستثمارات، يقدّم صورة أقل تفاؤلًا، إذ ظل في تراجع منذ 2022، بحسب بيانات البنك الدولي. وفي محاولة لمعالجة ذلك، أعلنت المملكة مؤخرًا استراتيجية خصخصة جديدة تستهدف استقطاب أكثر من 64 مليار دولار من استثمارات القطاع الخاص بحلول 2030.
ويقول محمد أبو باشا، رئيس قسم التحليل الاقتصادي الكلي في “إي إف جي هيرميس”، إن “جذب الاستثمار الأجنبي المباشر هو الحلقة المفقودة في القصة الاقتصادية السعودية، وهو القضية الحاسمة في المرحلة الحالية”.
وفي هذا السياق، تعمل الجهات التنظيمية على تحرير سوق الأسهم البالغة قيمته 2.6 تريليون دولار.
فقد فُتح مطلع فبراير التداول المباشر على مؤشر “تداول لجميع الأسهم” أمام جميع غير السعوديين، بعدما كان مقصورًا على فئات محددة، وسط توقعات بأن تسمح تعديلات لاحقة للأجانب بتملّك حصص أغلبية في الشركات المحلية، ما قد يفتح الباب أمام تدفقات إضافية بمليارات الدولارات.
كما وسّعت السلطات نطاق تملّك الأجانب للعقارات، بما في ذلك في مكة المكرمة والمدينة المنورة، وهما منطقتان ظلتا مغلقتين تاريخيًا أمام غير السعوديين، وتتمتعان بطلب مرتفع بفعل الطفرة في السياحة الدينية.
وفي الرياض، بدأت مؤشرات اهتمام الشركات العالمية بالظهور، إذ أطلقت منظمة ترامب مبيعات لمشروعات عقارية ضخمة، مستفيدة من القواعد الجديدة، ما أثار في الوقت نفسه تساؤلات حول تضارب محتمل في المصالح نظرًا لارتباطها بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
ورغم الزخم الإصلاحي، لا تزال تحديات التنفيذ قائمة، سواء لجهة وضوح اللوائح أو اختبار القوانين الجديدة داخل المحاكم. ويؤكد سعيد السعدي، أن استدامة تدفق الاستثمارات ستعتمد في النهاية على “فاعلية تطبيق السياسات ووضوح التواصل مع السوق”.





