دخلت المواقع النووية المدنية والعسكرية في أوروبا مرحلة تأهّب غير مسبوقة مع اقتراب عام 2026، وسط تصاعد حوادث اختراق الأجواء بطائرات مسيّرة مجهولة المصدر، يرى خبراء أمنيون أنها لم تعد حوادث معزولة بل جزء من نمط تهديد منظم يختبر هشاشة الدفاعات الغربية عند أكثر النقاط حساسية.
وأحد أكثر المشاهد دلالة على هذا التحول وقع مؤخراً عندما اضطرت السلطات الإيرلندية إلى تعطيل مسار طائرة كانت تقل الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي وزوجته قبل هبوطها في دبلن، بعد رصد تحركات لطائرات مسيّرة مجهولة في المجال الجوي القريب.
واللافت أن الحادثة وقعت على مسافة ليست بعيدة عن منشأة سيلافيلد النووية البريطانية، أحد أكثر المواقع النووية حساسية في أوروبا، ما دفع وزير العدل الإيرلندي إلى وصف ما جرى بأنه “تهديد منسّق” يهدف إلى الضغط على أوروبا وأوكرانيا.
وبعد أيام فقط، انتقلت المخاوف من نطاق التحذير إلى المواجهة المباشرة، حين أعلنت البحرية الفرنسية أنها أطلقت النار على طائرات مسيّرة حلّقت فوق قاعدة “إيل لونغ” البحرية، التي تضم جزءاً من أسطول الغواصات النووية الفرنسية.
ورغم نجاح أنظمة التشويش في اعتراض تلك الطائرات، فإن مجرد وصولها إلى هذا الموقع بالغ التحصين اعتُبر رسالة أمنية خطيرة مفادها أن البنية النووية الأوروبية ليست بمنأى عن الاختراق.
وتملك فرنسا وحدها 19 محطة طاقة نووية، فيما تشغّل بريطانيا خمس محطات رئيسية إضافة إلى منشآت تخزين ومعالجة حساسة.
ويحذّر محللون من أن استهداف هذه المنشآت، حتى بهجمات محدودة بطائرات مسيّرة، قد لا يؤدي إلى كارثة نووية بالمعنى التقليدي، لكنه كفيل بإحداث صدمة اقتصادية ونفسية هائلة، تشمل تعطيل المرافق، وإجلاء السكان، وزعزعة الأسواق، من دون أن يصل إلى عتبة الحرب النووية المباشرة.
ويرى خبراء عسكريون أن هذا النوع من التهديد يندرج ضمن ما يُعرف بـ”حروب المنطقة الرمادية”، حيث تُستخدم أدوات منخفضة الكلفة وسهلة الإنكار لإلحاق أضرار استراتيجية.
فبحسب تقديرات أمنية، يمكن إطلاق طائرات مسيّرة من داخل الدول المستهدفة نفسها، ما يعقّد عملية الرد ويجعل تحديد الجهة المسؤولة أمراً بالغ الصعوبة.
ولا تقتصر المخاوف على فرنسا وبريطانيا. ففي الأسابيع الأخيرة، سُجّلت حوادث مماثلة فوق قواعد عسكرية في بلجيكا وهولندا وألمانيا، بعضها يستضيف أسلحة نووية أميركية ضمن ترتيبات حلف شمال الأطلسي.
وفي إحدى الحالات، اضطرت طائرات مقاتلة هولندية من طراز “إف-35” إلى الإقلاع لاعتراض طائرة مسيّرة حلّقت على ارتفاع غير معتاد وأظهرت قدرة على مقاومة التشويش.
وما يثير القلق لدى الأجهزة الأمنية أن هذه الطائرات ليست من فئة الهواة، بل أكبر حجماً وأكثر تطوراً، وتُستخدم في الغالب لجمع معلومات استخباراتية دقيقة لا تستطيع الأقمار الصناعية توفيرها في الزمن الحقيقي، مثل مراقبة تحركات الغواصات النووية أو اختبار زمن استجابة الدفاعات.
وفي خلفية هذا المشهد، تلقي الحرب في أوكرانيا بظلالها الثقيلة. فقد أظهرت العمليات الأوكرانية الأخيرة، التي استخدمت مئات الطائرات المسيّرة لضرب قواعد روسية استراتيجية، كيف يمكن لتقنيات رخيصة نسبياً أن تُحدث اختراقات عسكرية كبيرة.
ويرجّح محللون أن تكون روسيا، أو جهات مرتبطة بها، مهتمة باختبار جاهزية الناتو واستجابته لمثل هذه التهديدات.
في المقابل، تعترف عواصم أوروبية بأن دفاعاتها الجوية، التي أُهملت لعقود بعد نهاية الحرب الباردة، غير مهيأة بالكامل لهذا النوع من المخاطر.
ورغم التوجه نحو تطوير أنظمة تشويش ورادارات متعددة الطبقات وطائرات مسيّرة اعتراضية، إلا أن الخبراء يحذّرون من أن السباق بين الهجوم والدفاع في هذا المجال لا يزال في بدايته.
ومع دخول الطائرات المسيّرة إلى قلب معادلات الردع النووي والأمن الاستراتيجي، يبرز سؤال ملحّ: هل تستطيع أوروبا سدّ هذه الثغرة سريعاً، أم أن عام 2026 سيشهد تصاعداً في عمليات الاختراق التي تبقى دون حرب، لكنها تُبقي القارة في حالة استنفار دائم؟.