في خطوة تعكس تحوّلًا أمنيًا وقضائيًا مهمًا في التعامل مع ملف تنظيم داعش، أعلنت الحكومة العراقية أنها ستتولى التحقيق ومحاكمة المقاتلين المنتمين للتنظيم الذين يجري نقلهم من السجون ومخيمات الاحتجاز في سوريا إلى الأراضي العراقية، وذلك بموجب تفاهمات جرت بوساطة أميركية.
وجاء الإعلان عقب اجتماع ضم أعلى المستويات السياسية والأمنية في العراق، ناقش التطورات المتسارعة في شمال شرقي سوريا، حيث أدت المواجهات الأخيرة إلى تغيّر جذري في خريطة السيطرة على المناطق التي كانت خاضعة لقوات سوريا الديمقراطية، والتي تولت لسنوات حراسة آلاف المعتقلين المرتبطين بداعش بعد انهيار التنظيم عسكريًا عام 2019.
وأكد مجلس القضاء الأعلى في العراق أن جميع عناصر داعش الذين سيتم نقلهم إلى البلاد سيخضعون للتحقيق وفق القوانين العراقية، وسيُحالون إلى المحاكم المختصة بتهم تتعلق بالإرهاب وارتكاب جرائم جسيمة. وشدد المجلس على أن الإجراءات ستُنفذ ضمن الأطر القانونية الوطنية، بما يضمن محاسبة المتورطين وحماية الأمن الوطني.
ويأتي هذا التحرك في ظل مخاوف عراقية متزايدة من احتمال فرار معتقلين أو إعادة تنشيط خلايا نائمة للتنظيم، خصوصًا مع حالة عدم الاستقرار التي رافقت الاشتباكات الأخيرة في سوريا، وسيطرة القوات الحكومية السورية على مواقع حساسة، من بينها مخيم الهول وعدد من السجون التي تضم عناصر داعش وعائلاتهم.
مصادر أمنية عراقية أوضحت أن عمليات النقل بدأت بالفعل، حيث جرى حتى الآن نقل مئات المعتقلين عبر طائرات عسكرية، في عملية توصف بالبطيئة والمعقدة نظرًا للحساسيات الأمنية وتعدد جنسيات المحتجزين. وأشارت المصادر إلى أن من بين المنقولين قيادات بارزة وعناصر مصنفة عالية الخطورة، شارك بعضهم في عمليات داخل الأراضي العراقية خلال ذروة نشاط التنظيم.
وترى بغداد أن توليها هذا الملف يشكل ضرورة أمنية، خاصة مع امتداد الحدود الطويلة مع سوريا، وخطر تسلل عناصر متطرفة إلى الداخل العراقي. كما تعتقد الحكومة أن محاكمة هؤلاء داخل العراق ستمنع استغلالهم كورقة ضغط إقليمية، وتحد من احتمالات عودة التنظيم للظهور مستفيدًا من الفوضى.
في الوقت نفسه، رحبت كل من دمشق وواشنطن بخطوة العراق، واعتبرتاها مساهمة في تقاسم عبء ملف داعش، الذي ظل لسنوات نقطة توتر بين أطراف دولية وإقليمية، لا سيما فيما يتعلق بمصير آلاف المعتقلين الأجانب.
ورغم الهزيمة العسكرية التي مُني بها داعش في العراق عام 2017 وفي سوريا بعد ذلك بعامين، لا تزال خلاياه قادرة على تنفيذ هجمات متفرقة في البلدين، مستفيدة من الثغرات الأمنية والفراغات السياسية. ويأمل العراق أن تمثل هذه الخطوة بداية مرحلة جديدة من إغلاق هذا الملف المعقد، عبر الجمع بين المقاربة الأمنية والمحاسبة القضائية، لمنع تكرار سيناريوهات العنف التي عانى منها البلد خلال العقد الماضي.





