وجد العراق نفسه في قلب المواجهة الإقليمية المتصاعدة بعد اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، حيث تحولت أراضيه سريعاً إلى ساحة لتبادل الضربات بين الميليشيات الموالية لطهران والقوات الأمريكية المنتشرة في البلاد.
وتعرضت القواعد العسكرية الأمريكية في بغداد وأربيل خلال الأيام الأولى من الحرب لسلسلة هجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ، في وقت ردت فيه الولايات المتحدة وإسرائيل بغارات استهدفت مواقع لفصائل مسلحة مرتبطة بإيران داخل الأراضي العراقية.
وأدخل هذا التصعيد العراق عملياً في دائرة الحرب الإقليمية، رغم محاولات الحكومة في بغداد تجنب الانخراط المباشر في الصراع.
ويقول خبراء إن الحكومة العراقية تواجه صعوبة كبيرة في السيطرة على الجماعات المسلحة الموالية لإيران التي تمتلك ترسانة متطورة من الطائرات المسيّرة والصواريخ.
وأوضح الخبير في شؤون العراق لهيب هيجل أن بغداد قلقة للغاية من نشاط هذه الجماعات، لكنها لا تملك الأدوات الكافية لوقف عملياتها العسكرية.
وأشار إلى أن هذه الميليشيات تمتلك صواريخ كروز وصواريخ باليستية قصيرة المدى إضافة إلى طائرات مسيّرة قادرة على ضرب أهداف بعيدة.
وقد تعرض إقليم كردستان العراق لأكثر من 110 هجمات صاروخية وطائرات مسيّرة منذ بداية التصعيد.
واستهدفت بعض هذه الهجمات قواعد عسكرية تضم قوات أمريكية في شمال البلاد، خصوصاً قاعدة حرير الجوية بالقرب من أربيل.
وقال مسؤول كردي إن الهجمات تسببت بأضرار مادية لكنها لم تسفر عن إصابات بشرية حتى الآن، مشيرا إلى أن بعض الصواريخ والطائرات المسيّرة انطلقت مباشرة من الأراضي الإيرانية.
وأضاف أن حكومة بغداد لم تتخذ حتى الآن إجراءات ملموسة لوقف هذه الهجمات المتكررة.
في المقابل، استهدفت غارات جوية مواقع للميليشيات في بلدة جرف الصخر الواقعة جنوب غرب بغداد.
وأسفرت تلك الضربات، التي نسبت إلى الولايات المتحدة وإسرائيل، عن مقتل مقاتلين اثنين على الأقل وإصابة خمسة آخرين.
وبلغ التوتر ذروته عندما قُتل جندي عراقي في حادث وصف بالغموض في صحراء النجف.
وقال الفريق قيس المحمداوي إن القوات العراقية تعرضت لقصف جوي كثيف أثناء التحقيق في نشاط مشبوه في المنطقة ما أسفر عن مقتل جندي وإصابة اثنين آخرين.
وأوضح أن قوة أجنبية كانت موجودة في المنطقة دون إذن رسمي وكانت تقوم بنصب معدات عسكرية.
ولم يحدد المسؤول العراقي هوية هذه القوة، لكنه أكد أن بغداد ستقدم احتجاجاً رسمياً إلى التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة فيما أفادت وسائل إعلام كردية أن القوات المعنية قد تكون أمريكية.
وأثار اغتيال المرشد الأعلى الإيراني موجة احتجاجات في العراق، حيث حاول مئات المتظاهرين المؤيدين لإيران اقتحام المنطقة الخضراء في بغداد.
وتقع داخل المنطقة الخضراء السفارة الأمريكية وعدد من المقرات الحكومية المهمة.
وقد وقعت اشتباكات بين المتظاهرين وقوات الأمن العراقية التي حاولت منع اقتحام المنطقة المحصنة. ومنذ ذلك الحين تواصل الميليشيات تنفيذ هجمات شبه يومية ضد القوات الأمريكية في العراق.
وأسقطت القوات العراقية طائرة مسيّرة حاولت استهداف قاعدة عسكرية أمريكية قرب مطار بغداد الدولي فيما أظهرت مقاطع فيديو متداولة تحطم الطائرة في منطقة البويثة جنوب العاصمة.
وتُنسق الهجمات ضد القوات الأمريكية عبر تحالف مسلح يُعرف باسم “المقاومة الإسلامية في العراق” يضم عدة فصائل رئيسية أبرزها كتائب حزب الله وحركة النجباء وكتائب سيد الشهداء.
كما يضم مجموعات أصغر مثل سرايا أولياء الدم وكتائب صرخة القدس وحركة أنصار الله الأوفياء.
وسبق لهذه الجماعات تنفيذ هجمات على القوات الأمريكية في العراق وسوريا، إضافة إلى إطلاق صواريخ باتجاه إسرائيل بعد اندلاع حرب غزة في عام 2023.
وتركز هذه الفصائل في هجماتها الحالية على ثلاثة أهداف رئيسية تشمل قاعدة حرير الجوية في أربيل والقنصلية الأمريكية في المدينة نفسها، إضافة إلى مركز لوجستي تستخدمه القوات الأمريكية في مطار بغداد الدولي.
ويحذر محللون من أن العراق قد يخسر المكاسب الأمنية التي حققها خلال السنوات الأخيرة إذا استمر التصعيد.
وتقول الباحثة بينتي شيلر إن هذه الميليشيات لا تعمل لصالح الدولة العراقية بل لخدمة مصالح إيران، مشيرة إلى أن استمرار الهجمات قد يدفع الولايات المتحدة إلى رد عسكري أوسع داخل العراق.
في الوقت نفسه تواجه الحكومة العراقية ضغوطاً من واشنطن ودول غربية للحد من نفوذ هذه الفصائل المسلحة.
ونجحت قوات الأمن العراقية مؤخراً في إحباط محاولة لإطلاق صواريخ نحو دولة مجاورة من محافظة البصرة جنوب البلاد.
وقال مصدر أمني إن العملية جرت بناء على معلومات استخباراتية قدمها جهاز الأمن الوطني العراقي.
جاءت العملية في منطقة السليلي التابعة لقضاء الزبير جنوب البصرة فيما تكشف هذه التطورات حجم التحدي الذي تواجهه بغداد في الحفاظ على توازنها بين واشنطن وطهران، في وقت يتوسع فيه الصراع الإقليمي ويهدد بتحويل العراق مرة أخرى إلى ساحة مواجهة مفتوحة.





