كشفت تحركات الرئيس الأميركي دونالد ترامب في فنزويلا وغرينلاند ومناطق أخرى عن ملامح حرب جديدة تتجاوز الجغرافيا والسياسة التقليدية، لتتمحور حول المعادن الحيوية والنفط والذكاء الاصطناعي بوصفها مفاتيح الهيمنة العالمية في العقود المقبلة.
فالقاسم المشترك بين هذه الساحات، بحسب مسؤولين ومحللين أميركيين، هو امتلاكها ثروات استراتيجية باتت ضرورية لتكنولوجيا الدفاع المتقدم وصناعة الرقائق والذكاء الاصطناعي.
وخلال أيام قليلة من اعتقال زعيم فنزويلا نيكولاس مادورو، بدأ مسؤولون في إدارة ترامب وخبراء ماليون مناقشة الثروة المعدنية الهائلة للبلاد، ليس فقط من زاوية النفط، بل من منظور أوسع يشمل المعادن الأرضية النادرة.
وترى الإدارة الأميركية أن استغلال هذه الموارد يمكن أن يخفف اعتماد الولايات المتحدة على الصين، التي تهيمن على نحو 90% من الإمدادات العالمية لهذه المعادن، وتستخدمها كورقة ضغط في الحرب التجارية المستمرة.
وقال وزير التجارة الأميركي هوارد لوتنيك إن فنزويلا تمتلك «الفولاذ وجميع المعادن الحيوية»، مضيفاً أن ترامب «سيصلح الوضع ويعيده من أجل الفنزويليين».
غير أن هذا الخطاب، الذي يُقدَّم كوعود إنقاذ اقتصادي، يخفي في طياته مكاسب مباشرة للشركات الأميركية، التي بدأت بالفعل التواصل مع الإدارة بحثاً عن فرص استثمار في قطاع التعدين، وسط ترحيب من الأسواق المالية بهذه الإمكانات الجديدة.
ولا يقتصر الاهتمام الأميركي على فنزويلا. فغرينلاند، الإقليم التابع للدنمارك، دخلت بدورها دائرة الضوء بعد تلميحات ترامب بإمكانية السيطرة عليها.
ورغم تشكيك مستشاريه في الذهاب بعيداً إلى حد الاستيلاء على أراضٍ تابعة لحليف في حلف «الناتو»، فإن إثارة الملف تعكس الأهمية الاستراتيجية للمنطقة، الغنية بمعادن أساسية للإلكترونيات والبطاريات المتقدمة.
وتضم فنزويلا وغرينلاند رواسب من الغاليوم والجرمانيوم والإنديوم والتنتالوم والسيليكون، وهي عناصر أساسية في رقائق الذكاء الاصطناعي. كما تتميز غرينلاند بوجود البالاديوم، فيما تمتلك فنزويلا كميات كبيرة من الكولتان المستخدم في الهواتف الذكية والمركبات الكهربائية.
وإلى جانب ذلك، تحتوي المنطقتان على الثوريوم القابل للتحويل إلى وقود نووي، ومعادن الطاقة النظيفة مثل الليثيوم والكوبالت والنيكل، الضرورية لتشغيل مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي العملاقة.
في الصورة الأوسع، لا ينفصل هذا السباق عن المنافسة الأميركية–الصينية على قيادة الاقتصاد العالمي والتكنولوجيا المتقدمة. فبكين شددت قيود تصدير المعادن الأرضية النادرة، مستفيدة من سيطرتها على سلاسل التكرير والمعالجة، وهو ما يجعل أي تحرك أميركي في فنزويلا أو غيرها ذا أبعاد تتجاوز الاستثمار إلى إعادة هندسة سلاسل الإمداد العالمية.
لكن هذه المقاربة أثارت انتقادات واسعة، إذ يرى منتقدون أن واشنطن تتصرف كقوة إمبريالية تسعى لفرض نفوذها بالقوة تحت غطاء الأمن القومي والتنمية. ورغم ذلك، لا يبدي ترامب اكتراثاً، بل تفاخر بما أسماه «مبدأ دونرو» للهيمنة على نصف الكرة الأرضية.
وفي حين تموّل الإدارة الأميركية مشاريع المعادن عبر مكتب رأس المال الاستراتيجي في وزارة الدفاع ومؤسسة تمويل التنمية الدولية، يظل التحدي الأكبر في التكرير والتصنيع، وهي حلقات ما زالت الصين تتفوق فيها.
ومع أن الوصول إلى المعادن قد يمنح واشنطن ورقة ضغط جديدة، إلا أن تحويلها إلى تفوق فعلي في سباق الذكاء الاصطناعي قد يستغرق سنوات، ما يجعل هذه الحرب طويلة النفس، عالية المخاطر، ومفتوحة على صراعات أوسع.





