الاتحاد الأوروبي يسعى لإعادة إحياء العلاقات مع تركيا كشريك محوري في أوكرانيا ما بعد الحرب

العلاقات التركية الأوروبية

شارك

يتحرك الاتحاد الأوروبي لإعادة تنشيط علاقاته مع تركيا، في ظل تقديرات أوروبية متزايدة بأن أنقرة قد تؤدي دوراً أساسياً في الترتيبات الأمنية والسياسية في أوكرانيا بعد الحرب.

وفي هذا السياق، تتوجه مفوضة التوسيع في الاتحاد الأوروبي مارتا كوس إلى أنقرة في زيارة تهدف إلى «إعادة بناء الثقة» واستكشاف مسارات تعاون جديدة.

وقالت كوس في بيان مكتوب قبل الزيارة: «سيُغيّر السلام في أوكرانيا الواقع في أوروبا، وخاصة في منطقة البحر الأسود. وستكون تركيا شريكاً بالغ الأهمية بالنسبة لنا»، مضيفة أن الاستعداد للسلام والاستقرار الأوروبيين «يستوجب إعداد شراكة قوية مع تركيا».

ويعكس هذا الموقف تحوّلاً في نظرة بروكسل لأنقرة، بعد سنوات من اعتبارها ملفاً إشكالياً بسبب تراجع المعايير الديمقراطية وتوتر العلاقات السياسية.

وتستند المقاربة الأوروبية الجديدة إلى وزن تركيا العسكري والجغرافي. فأنقرة تمتلك ثاني أكبر جيش في حلف شمال الأطلسي، وتسيطر على مضيق البوسفور الذي يمنحها نفوذاً مباشراً على أمن البحر الأسود.

كما لعبت دور الوسيط في اتفاقية الحبوب في يوليو 2022 التي أتاحت مروراً آمناً لشحنات الحبوب الأوكرانية. وأعلنت تركيا استعدادها للمساهمة بقوات حفظ سلام في أوكرانيا إذا تم التوصل إلى اتفاق مع روسيا، إضافة إلى الاضطلاع بدور قيادي في أمن البحر الأسود.

في المقابل، يتعامل الاتحاد الأوروبي بحذر مع شريك يشهد تراجعاً في سيادة القانون. فتركيا مرشحة رسمياً لعضوية الاتحاد، لكن مفاوضات الانضمام متوقفة منذ عام 2018.

وأقرت كوس بأن تقارير التوسيع الأخيرة رصدت «خطوات ابتعاد عن معايير الاتحاد، لا سيما في سيادة القانون والديمقراطية»، مؤكدة أن تعزيز المجتمع المدني وبناء الثقة يظلان شرطين لأي تقدم.

وعلى المستوى العملي، تمثل زيارة كوس خطوة رمزية أولى. إذ ستحضر مراسم توقيع بين بنك الاستثمار الأوروبي وتركيا على قروض بقيمة 200 مليون يورو لمشاريع الطاقة المتجددة، بعد أن كان البنك قد علّق قروضه الجديدة لأنقرة عام 2019 على خلفية نزاع التنقيب قبالة قبرص.

كما تعتزم المفوضية الأوروبية الكشف عن دراسة لتطوير «أجندة الربط الإقليمي» مع تركيا وأوروبا الوسطى وجنوب القوقاز، تركز على النقل والتجارة والطاقة والروابط الرقمية على طول ممر بحر قزوين.

غير أن ما تريده أنقرة فعلياً يتجاوز الرمزية، ويتمثل في تحديث اتفاقية الاتحاد الجمركي الموقعة عام 1995. فالاتفاقيات التجارية التي أبرمها الاتحاد الأوروبي مع الهند ومجموعة ميركوسور تُضعف القدرة التنافسية التركية، إذ تُلزم أنقرة بتخفيضات جمركية دون امتيازات مقابلة.

ودعا رئيس بلدية إسطنبول المنتخب أكرم إمام أوغلو—الموقوف منذ مارس الماضي—من داخل محبسه إلى تحديث الاتفاقية، معتبراً أنها «الإطار الوحيد القائم على القواعد والمعايير» الداعم للعلاقات التركية-الأوروبية.

لكن تحديث الاتفاقية يتطلب موافقة المجلس الأوروبي، حيث تعارض اليونان وقبرص أي تحسين للعلاقات دون مبادرة حسن نية من أنقرة.

وتطالب نيقوسيا بالسماح لسفنها بدخول الموانئ التركية، وهو ما ترفضه أنقرة بسبب قضية الجزيرة المقسمة منذ 1974.

وأكدت كوس أن أي شراكة مستقبلية «يجب أن تستند إلى علاقات سياسية جيدة مع الدول الأعضاء، وخاصة علاقات حسن الجوار والعلاقات مع قبرص».

في الوقت نفسه، يرى دبلوماسيون أن التحولات الجيوسياسية التي يقودها الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد تدفع أوروبا وتركيا إلى التقارب.

وقال سفير تركيا لدى الاتحاد الأوروبي يابراك بالكان إن «العالم يتغير والتاريخ يتسارع»، وإن البناء على المصالح المشتركة هو السبيل العملي للتقدم، مع بقاء هدف الانضمام للاتحاد الأوروبي «مبدأً أساسياً» لسياسة أنقرة.

ورغم أن استئناف مفاوضات العضوية لا يزال خارج الحسابات، تؤكد بروكسل الحاجة إلى «إعادة النظر» في العلاقة. وتختم كوس بأن زيارتها «تركز على إعادة بناء الثقة واستكشاف سبل تحسين العلاقات الاقتصادية بما يعود بالنفع على الجانبين»، في إشارة إلى مسار تدريجي يوازن بين الواقعية الجيوسياسية وشروط القيم الأوروبية.

شارك

Facebook
X
WhatsApp
LinkedIn
Telegram
Email

قد يعجبك أيضاً