يسود العالم العربي صمتٌ حذر إزاء الاحتجاجات الواسعة التي تشهدها إيران، في وقت يراقب فيه مسؤولون إقليميون تطورات قد تقود إلى إضعاف غير مسبوق للنظام الإيراني، أو حتى انهياره.
وبحسب مجلة الإيكونوميست البريطانية فإن هذا الموقف المتحفّظ يمثل تحولًا لافتًا مقارنة بردود الفعل العربية خلال موجة الاحتجاجات التي هزّت إيران عام 2022، حين كانت العواصم العربية ووسائل الإعلام تتابع المشهد الإيراني باهتمام بالغ.
في تلك المرحلة، كان النفوذ الإقليمي لطهران في ذروته، عبر شبكة واسعة من الحلفاء والميليشيات التي فرضت حضورها في عدد من الدول العربية. وساد حينها اعتقاد بأن أي تغيير داخلي في إيران قد يفتح نافذة لتقليص هذا النفوذ.
وأسهمت وسائل إعلام عربية عابرة للحدود، كثير منها ممول خليجيًا، في تغطية الاحتجاجات بتعاطف واضح، فيما التزم الدبلوماسيون العرب خطابًا حذرًا في العلن، مقابل ارتياح مكتوم في الغرف المغلقة.
وبلغ التوتر ذروته عندما اتهم قائد الحرس الثوري آنذاك، حسين سلامي، وسائل إعلام مدعومة من السعودية بالتحريض، ملوّحًا بأن المملكة «ستدفع الثمن».
أما اليوم، وعلى الرغم من أن الاحتجاجات الحالية تبدو أخطر على النظام من احتجاجات 2022، فإن رد الفعل العربي جاء باهتًا بشكل لافت. فالنشرات الإخبارية في المنطقة بالكاد تتصدرها أخبار إيران، ويبدو المسؤولون مترددين في التعليق، إن فعلوا أصلًا.
ويعكس هذا التحول عاملين رئيسيين: تراجع المكانة الإقليمية لإيران، وتصاعد مخاوف دول الخليج من سيناريو الفوضى.
فالحروب الإسرائيلية التي تلت هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 وجّهت ضربات قاسية لشبكة وكلاء طهران. حزب الله في لبنان تراجع نفوذه وتعرض لاستنزاف شديد، والنظام السوري الحليف لإيران سقط، فيما تلقت إيران نفسها ضربة مباشرة خلال قصف إسرائيلي-أميركي استمر 12 يومًا في يونيو/حزيران، قُتل خلاله حسين سلامي في غارة جوية. هذه التطورات جعلت طهران تبدو أقل قدرة على فرض أجندتها الإقليمية.
وفي هذا السياق، لم تعد تحركات المسؤولين الإيرانيين في العواصم العربية تثير القلق السابق. فعندما زار وزير الخارجية عباس عراقجي بيروت في ذروة الحرب مع حزب الله أواخر 2024، قوبلت الزيارة باستياء واسع.
أما زيارته الأخيرة في يناير/كانون الثاني 2026، فقد أثارت سخرية أكثر مما أثارت غضبًا، إذ جاءت في وقت كان الإيرانيون يتظاهرون ضد سياسات اقتصادية فاشلة، بينما كان الوزير يوقّع نسخًا من كتابه الجديد «قوة التفاوض».
وتبنّى عدد متزايد من المسؤولين العرب تقييمًا يرى أن إيران باتت «قوة من الدرجة الثانية»، وهو توصيف ردده أيضًا رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في مقابلة مع الإيكونوميست. ولم تعد طهران محور الأخبار الإقليمية، التي انشغلت خلال الأسابيع الماضية بخلافات سعودية-إماراتية وبالاشتباكات في شمال سوريا.
مع ذلك، لا يعني تراجع النفوذ الإيراني زوال الخطر بالكامل. فدول الخليج تراقب بقلق احتمال تدخل عسكري أميركي جديد. فقد هدّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالتحرك إذا واصل النظام الإيراني قتل المتظاهرين، وهو ما حدث بالفعل.
وتناقش واشنطن خيارات تتراوح بين ضربات عسكرية، وهجمات سيبرانية، وتشديد العقوبات، وسط دعوات من ترامب للإيرانيين بمواصلة الاحتجاج.
ورغم تضرر القدرات الصاروخية الإيرانية بعيدة المدى، لا يزال النظام يمتلك آلاف الصواريخ القصيرة المدى القادرة على ضرب أهداف في الخليج.
وقد سبق أن ردت طهران رمزيًا على قصف أميركي باستهداف قاعدة العديد في قطر، مع تحذير مسبق لتجنب التصعيد. لكن مسؤولين إيرانيين لوّحوا بتوسيع نطاق الأهداف في حال تعرضهم لهجوم جديد، بما في ذلك البحرين.
وإلى جانب المخاوف الأمنية، يقلق قادة الخليج من سيناريو ما بعد إيران. فقد خبرت المنطقة كلفة انهيار الدول في العراق وسوريا، وما رافقه من فوضى وانتشار جماعات مسلحة وتدفقات لاجئين ومخدرات.
وإيران، التي يبلغ عدد سكانها نحو 92 مليون نسمة، تقع على بعد مئات الكيلومترات فقط من الخليج، وانهيارها قد يعني موجات لجوء، وانتشار أسلحة، وفقدان السيطرة على مخزونات صاروخية ونووية.
وبينما لا تكنّ الأنظمة العربية وداً للجمهورية الإسلامية، فإنها باتت تخشى أن يقود سقوطها إلى فوضى إقليمية أوسع، لا إلى استقرار طال انتظاره.





