كشفت صحيفة فايننشال تايمز البريطانية أن الإمارات نجحت خلال العقدين الماضيين في إعادة بناء نفوذها داخل الولايات المتحدة، بعدما انتقلت من دولة واجهت أزمة سياسية حادة على خلفية محاولة الاستحواذ على موانئ أمريكية عام 2006، إلى أحد أبرز الحلفاء الذين يحظون بثقة المؤسسة السياسية والعسكرية في واشنطن، مستندة إلى شبكة واسعة من جماعات الضغط، والاستثمارات الضخمة، والتقارب مع إسرائيل.
وقالت الصحيفة إن نقطة التحول جاءت بعد فشل شركة “دي بي ورلد” الإماراتية في الاستحواذ على إدارة ستة موانئ أمريكية، إثر اعتراضات واسعة داخل الكونغرس بسبب مخاوف أمنية أعقبت هجمات 11 سبتمبر، وهو ما دفع الشيخ محمد بن زايد، الذي كان آنذاك ولياً لعهد أبوظبي، إلى إطلاق استراتيجية طويلة الأمد لإعادة صياغة صورة الإمارات لدى صناع القرار الأمريكيين.
وأضافت أن هذه الاستراتيجية أثمرت بعد نحو عشرين عاماً، إذ أصبحت الإمارات توصف داخل الأوساط الأمريكية بأنها من أكثر الحلفاء كفاءة في الشرق الأوسط، كما عزز الجيش الأمريكي تعاونه معها في مجالات الدفاع والذكاء الاصطناعي العسكري.
وأشارت الصحيفة إلى أن أبوظبي سخرت ثروتها السيادية، التي تقدر بنحو 1.7 تريليون دولار، لتوسيع استثماراتها داخل الولايات المتحدة، بما في ذلك قطاعات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي، إلى جانب تعزيز العلاقات الاقتصادية مع شركات أمريكية كبرى.
ولفتت إلى أن الإمارات أنفقت أكثر من 270 مليون دولار خلال السنوات العشر الماضية على جماعات الضغط ومراكز الأبحاث والمؤسسات المؤثرة في واشنطن، وفق بيانات منظمة “أوبن سيكرتس”، لتصبح من بين أكبر الدول الأجنبية إنفاقاً في مجال التأثير السياسي داخل الولايات المتحدة.
ورأت الصحيفة أن السفير الإماراتي في واشنطن يوسف العتيبة لعب دوراً محورياً في هذه الاستراتيجية، من خلال بناء شبكة واسعة من العلاقات مع أعضاء الكونغرس، ومراكز الدراسات، ووسائل الإعلام، واستضافة فعاليات وشخصيات نافذة من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، بما أسهم في إعادة تقديم الإمارات كشريك استراتيجي موثوق.
وأضاف التقرير أن توقيع الإمارات اتفاقيات التطبيع مع إسرائيل عام 2020 مثل أكبر تحول في نظرة المؤسسة السياسية الأمريكية إلى أبوظبي، إذ اعتبر مسؤولون أمريكيون سابقون أن العلاقات الوثيقة مع إسرائيل فتحت للإمارات أبواباً جديدة داخل واشنطن وساعدتها في تجاوز كثير من الانتقادات السابقة.
كما أشار إلى أن العلاقة بين البلدين تطورت لاحقاً لتشمل التعاون في قطاع الذكاء الاصطناعي وصناعة الرقائق الإلكترونية، حيث استثمرت صناديق إماراتية في شركات أمريكية متخصصة، واستحوذت على حصص في شركات تعمل في تصنيع الرقائق ومراكز البيانات، بينما سمحت وزارة التجارة الأمريكية للإمارات بالحصول على رقائق حوسبة متقدمة كانت تخضع لقيود تصديرية.
وفي المقابل، أوضحت الصحيفة أن هذا التقارب أثار انتقادات داخل الحزب الديمقراطي، خاصة بعد استثمارات إماراتية في مشاريع مرتبطة بعائلة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، واعتبر عدد من أعضاء الكونغرس أن هذه العلاقات تثير تساؤلات بشأن تضارب المصالح وطبيعة النفوذ الإماراتي داخل الولايات المتحدة.
كما نقلت الصحيفة عن مسؤولين أمريكيين سابقين تحذيرات من أن النفوذ الإماراتي سمح لأبوظبي بتجنب ضغوط كانت ستواجهها دول أخرى في ملفات تتعلق بعلاقاتها مع الصين، ودورها في السودان، واتهامات تتعلق بالتعاملات المالية المرتبطة بإيران، رغم استمرار الجدل داخل الأوساط الأمريكية بشأن هذه القضايا.
وأضاف التقرير أن الحرب الأخيرة مع إيران شكلت اختباراً جديداً لهذه العلاقة، إذ واصلت الإمارات تعزيز تعاونها مع الولايات المتحدة وإسرائيل، معتبرة أن الشراكة الأمنية والتكنولوجية مع واشنطن تمثل خياراً استراتيجياً طويل الأمد، في وقت يرى فيه بعض الخبراء أن هذا التوجه قد يأتي على حساب استقلالية السياسة الخارجية الإماراتية وعلاقاتها الإقليمية.





