أيدت محكمة فرنسية قرار السلطات إغلاق مسجد “شانتيلوب” في مدينة أولناي سو بوا، شمال شرق باريس، لمدة ستة أشهر، في قضية أثارت جدلاً واسعاً بشأن حرية العبادة وحقوق المسلمين في فرنسا، بعد أن استند قرار الإغلاق إلى خطب تضمنت آيات من القرآن الكريم ونصوصاً من التراث الإسلامي.
ورفضت المحكمة الإدارية في مونتروي طلباً قدمته إدارة المسجد لتعليق قرار الإغلاق الذي صدر في يوليو الماضي، ليبقى المسجد مغلقاً حتى يناير/كانون الثاني 2027، في خطوة وصفها محامو المسجد بأنها تمثل سابقة خطيرة تمس حرية ممارسة الشعائر الدينية.
وقال رفيق شيكات، محامي المسجد والمتخصص في قضايا حقوق الإنسان، إن القضية تثير تساؤلات جوهرية حول مدى حرية الأئمة في فرنسا في الاستشهاد بالقرآن الكريم أثناء إلقاء الخطب داخل المساجد.
وأضاف: “هل لا يزال بإمكان الإمام في فرنسا أن يقتبس من القرآن الكريم في المسجد الذي يخطب فيه؟”، معتبراً أن القضية تجاوزت مسجد شانتيلوب لتصبح مرتبطة بحرية الممارسة الدينية للمسلمين في البلاد.
وأوضح شيكات أن السلطات الفرنسية استندت في جزء من ملفها إلى استشهاد الأئمة بسبعة مقاطع من القرآن الكريم، إضافة إلى نصوص من أبرز المراجع الإسلامية، من بينها كتاب رياض الصالحين وكتاب الأربعون النووية للإمام النووي، وهما من أشهر المؤلفات التي تُدرّس وتُستخدم في التعليم والوعظ الإسلامي في مختلف أنحاء العالم.
وأشار إلى أن هذه الكتب تعد جزءاً أساسياً من التراث الإسلامي منذ قرون، وأن استخدامها في الخطب الدينية لا يخرج عن الإطار الطبيعي للممارسة الإسلامية.
كما اعترضت السلطات، وفق ملف القضية، على تناول بعض الخطب لمفاهيم دينية مثل “جهنم” و”عذاب القبر” وذكر عقوبة غير المؤمنين، وهي موضوعات اعتبرت أنها وردت في الخطب بصورة تبرر قرار الإغلاق.
إلا أن محامي المسجد رأى أن هذه المفاهيم تشكل جزءاً أصيلاً من العقيدة الإسلامية، كما أن تعاليم مشابهة تتناول الثواب والعقاب والآخرة تُطرح بصورة اعتيادية في الكنائس وغيرها من دور العبادة.
ورغم هذه الدفوع، قضت المحكمة بأن محافظ إقليم سين سان دوني لم يرتكب “انتهاكاً جسيماً أو واضحاً لحرية العبادة أو حرية التعبير” عندما أصدر قرار إغلاق المسجد.
وأعرب شيكات عن خيبة أمله من الحكم، مؤكداً أن فريق الدفاع سيتقدم باستئناف أمام مجلس الدولة، أعلى هيئة قضائية إدارية في فرنسا.
وقال إن أجزاء من القرار “تتعارض تماماً مع الحرية الدينية”، مضيفاً أنه يأمل أن تنظر المحكمة العليا في القضية من منظور قانوني بعيداً عن الاعتبارات السياسية.
وتأتي القضية في سياق تشديد السلطات الفرنسية إجراءاتها تجاه عدد من المؤسسات الإسلامية خلال السنوات الأخيرة، في إطار سياسات تقول الحكومة إنها تهدف إلى مكافحة التطرف، بينما ترى منظمات حقوقية أنها تؤدي إلى تقييد الحريات الدينية للمسلمين.
وخلال الفترة الممتدة حتى أبريل/نيسان 2022، أغلقت السلطات الفرنسية 22 مسجداً خلال نحو 18 شهراً، مستندة في عدد من الحالات إلى تقارير أمنية واستخباراتية لم تُكشف مصادرها أو تفاصيلها بصورة كاملة.
كما أقدمت الحكومة الفرنسية على حل عدد من الجمعيات والمنظمات الإسلامية، من بينها “التجمع ضد الإسلاموفوبيا في فرنسا” و”مؤسسة باراكا سيتي” الخيرية، وهو ما أثار انتقادات من منظمات حقوقية اعتبرت أن السلطات توسعت في استخدام قوانين الأمن لملاحقة مؤسسات إسلامية.
وتأتي هذه التطورات في وقت تتزايد فيه المخاوف داخل الأوساط الإسلامية والحقوقية من اتساع نطاق الرقابة على الخطاب الديني الإسلامي في فرنسا، وسط جدل مستمر بشأن حدود حرية التعبير وحرية المعتقد، والعلاقة بين مبادئ العلمانية الفرنسية وحقوق المسلمين في ممارسة شعائرهم الدينية.





