محو فلسطين من معروضات المتحف البريطاني يكشف حدود ادعاءات إنهاء الاستعمار

المتحف البريطاني

شارك

أثار قرار المتحف البريطاني إزالة أو تهميش مصطلح فلسطين من بعض لوحات العرض والمواد التفسيرية جدلاً واسعاً في الأوساط الأكاديمية والحقوقية، كاشفاً عن التناقضات العميقة التي تواجهها حركات إنهاء الاستعمار داخل المؤسسات الثقافية الأوروبية، وعن هشاشة التزاماتها عندما تصطدم بالضغوط السياسية المرتبطة بإسرائيل.

وبحسب تقارير إعلامية وشهادات باحثين، جاء هذا التغيير بعد شكاوى وضغوط مارستها منظمات مؤيدة لإسرائيل، اعتبرت استخدام مصطلح فلسطين في وصف المجموعات الأثرية إشكالياً.

وقد قوبلت هذه الخطوة بانتقادات حادة من أكاديميين وناشطين رأوا فيها محاولة لإعادة كتابة التاريخ، لا تصحيحاً لغوياً أو علمياً.

ويرى مراقبون أن ما جرى في المتحف البريطاني لا يمكن فصله عن السياق الأوسع لدور المتاحف الأوروبية بوصفها نتاجاً مباشراً للمشاريع الاستعمارية.

فالمتحف، الذي تأسس عام 1753، راكم مجموعاته الأساسية خلال ذروة الإمبراطورية البريطانية، مستفيداً من نهب واسع النطاق لآثار شعوب خضعت للاستعمار، جرى تجريدها من تاريخها وروايتها الخاصة.

ويشير باحثون إلى أن العلاقة بين الاستعمار وإعادة كتابة التاريخ ليست جديدة. ففي القرن التاسع عشر، استخدم المستعمرون الأوروبيون علم الآثار لإضفاء شرعية على مشاريعهم التوسعية، عبر إنكار قدرة الشعوب الأصلية على بناء حضاراتها، ونسب منجزاتها إلى قوى خارجية.

ويستحضر هؤلاء مثال زيمبابوي الكبرى، حيث سعى مستعمرون بريطانيون إلى إنكار أن الأفارقة هم من شيدوا المدينة القديمة، في محاولة لتبرير السيطرة الاستعمارية.

وضمن هذا الإطار، يعتبر كثير من النقاد أن محو مصطلح فلسطين من معروضات المتحف البريطاني يمثل امتداداً لمنطق استعماري قديم، يعاد إنتاجه اليوم بما يخدم السردية الصهيونية.

فإسرائيل، التي تصنفها الأمم المتحدة وعدد من المنظمات الدولية قوة احتلال، تعتمد بدورها على إعادة صياغة التاريخ لإضفاء شرعية على واقع سياسي نشأ في القرن العشرين، عبر تقديمه بوصفه امتداداً تاريخياً قديماً.

ويأخذ هذا الطمس أشكالاً متعددة، بحسب محللين. ففي الأراضي الفلسطينية نفسها، يتجلى في تدمير أو الاستيلاء على مواقع أثرية وتاريخية، وفي تغيير الأسماء والخرائط.

وخارج فلسطين، يظهر عبر ضغوط تمارس على جامعات ومتاحف ومؤسسات تعليمية غربية لحذف مصطلحات مثل فلسطين القديمة من المناهج والمعروضات، بما يحد من قدرة الجمهور على فهم السياق التاريخي الحقيقي للمنطقة.

ويربط نقاد هذه الممارسات بما يصفونه بالإبادة الثقافية، التي تستهدف الذاكرة الجمعية للشعب الفلسطيني، إلى جانب ما يتعرض له من عنف مادي وسياسي.

فمحو الماضي، في نظرهم، شرط أساسي لتبرير السيطرة على الحاضر، وهو ما يجعل المعركة على المصطلحات والمعروضات متجاوزة للبعد الأكاديمي الضيق.

وكانت السنوات الأخيرة قد شهدت موجة من الخطابات المؤسسية في أوروبا وأميركا الشمالية حول إنهاء الاستعمار، خاصة بعد الاحتجاجات العالمية التي أعقبت مقتل جورج فلويد.

وسارعت متاحف وجامعات عدة إلى إعلان مراجعات رمزية لتاريخها الإمبراطوري، وتحديث لغتها ومواقعها الإلكترونية بما يعكس هذا التوجه.
غير أن الجدل حول فلسطين يكشف، بحسب باحثين، حدود هذه المراجعات، ويظهر أنها غالباً ما تبقى شكلية عندما يتعلق الأمر بقضايا سياسية راهنة.

ويحذر أكاديميون من المبالغة في تقدير نجاح حملات الضغط التي تقودها جماعات مؤيدة لإسرائيل، مشيرين إلى أن بعض هذه الجماعات تضخم أثرها لإظهار نفسها قادرة على فرض سرديتها بالكامل.

ومع ذلك، فإن البيانات الصادرة عن المتحف البريطاني لم تقدم حتى الآن تبريراً علمياً واضحاً لسبب استبعاد مصطلح فلسطين، ولا تناولت المخاطر المترتبة على الانخراط في إعادة كتابة التاريخ تحت ضغط سياسي.

ويؤكد مختصون في التاريخ القديم أن مصطلح فلسطين القديمة مستخدم على نطاق واسع في الدراسات الأكاديمية لوصف المنطقة خلال فترات تاريخية محددة، وأن التخلي عنه لا علاقة له بالدقة العلمية. ويرون أن ما يحدث هو محاولة لإعادة تشكيل السرد التاريخي بما يتلاءم مع مصالح استعمارية معاصرة.

ويخلص هؤلاء إلى أن المتاحف والجامعات، إذا لم تكن مستعدة للوقوف إلى جانب الشعوب الواقعة تحت الاحتلال في الحاضر، فإن ادعاءاتها بإنهاء الاستعمار ستظل منقوصة.

وفي هذا السياق، تصبح فلسطين اختباراً حقيقياً لمصداقية هذه المؤسسات، وحداً فاصلاً يكشف ما إذا كانت مستعدة لمواجهة إرث الاستعمار، أم الاكتفاء بإدارته بلغة جديدة.

شارك

Facebook
X
WhatsApp
LinkedIn
Telegram
Email

قد يعجبك أيضاً