كندا تتحرك لكسر الاعتماد الدفاعي على الولايات المتحدة على غرار أوروبا

كندا

شارك

أطلقت كندا هذا الشهر أول استراتيجية صناعية دفاعية في تاريخها، في خطوة تعكس تحولا واضحا في نظرتها إلى الولايات المتحدة بوصفها ضامنا أمنيا واقتصاديا.

وتشير الاستراتيجية إلى أن أوتاوا، مثل عواصم أوروبية عدة، لم تعد تعتبر الاعتماد على واشنطن خيارا مستداما في ظل بيئة دولية مضطربة وتغيرات حادة في توازنات التحالفات.

وجاء في نص الاستراتيجية أن الافتراضات التي حكمت السياسة الدفاعية الغربية لعقود قد انهارت، بما في ذلك الاعتقاد بانتهاء الغزو الإمبراطوري، واستمرار السلام في أوروبا، وصلابة التحالفات التقليدية.

وخلصت الوثيقة إلى أن كندا باتت بحاجة إلى امتلاك قدرة مستقلة على الدفاع عن نفسها وحماية سيادتها في عالم يتسم بعدم اليقين.

ويحمل هذا التحول دلالة سياسية داخلية وخارجية، خصوصا في ضوء تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب المتكررة عن كندا، والتي شملت تلميحات إلى ضمها كولاية جديدة.

وقد أظهرت نتائج استطلاع أجرته مؤسسة نانوس للأبحاث ونشرته صحيفة غلوب آند ميل أن غالبية الكنديين باتوا ينظرون إلى الولايات المتحدة باعتبارها مصدرا للخطر أكثر من كونها شريكا موثوقا، إذ لم يوافق سوى 9% من المشاركين على اعتبار واشنطن حليفا يمكن الاعتماد عليه.

وفي مؤتمر صحفي، تعهد رئيس الوزراء مارك كارني بمضاعفة الإنفاق الدفاعي بحلول نهاية العقد الحالي، مع إعطاء أولوية واضحة للشركات الكندية، وتوجيه استثمارات إضافية نحو القطب الشمالي.

وقال كارني إن كندا لم تنفق بما يكفي على دفاعها، ولم تستثمر بصورة كافية في صناعاتها الدفاعية خلال العقود الماضية، معترفا بأن البلاد اعتمدت بشكل مفرط على موقعها الجغرافي وعلى الآخرين لتوفير الحماية.

وتتضمن الاستراتيجية أهدافا رقمية طموحة، من بينها رفع نسبة مشتريات الدفاع الممنوحة للشركات الكندية إلى 70%، وزيادة صادرات الصناعات الدفاعية بنسبة 50%، وخلق نحو 125 ألف وظيفة جديدة في مختلف القطاعات المرتبطة بالأمن والدفاع.

غير أن تنفيذ هذه الأهداف سيستغرق سنوات، في ظل حقيقة أن الشركات الصغيرة والمتوسطة تشكل الغالبية العظمى من قاعدة الصناعات الدفاعية الكندية.

ونقل موقع أكسيوس عن جانا نيلسون، نائبة مساعد وزير الدفاع الأميركية السابقة لشؤون نصف الكرة الغربي، قولها إن هذه الاستراتيجية ترسل إشارة واضحة إلى شركات الدفاع الكبرى بأن كندا لا تعتزم الاستمرار في الاعتماد على الموردين الأميركيين.

وأضافت أن أوتاوا لا تتحرك في اتجاه التسلح ضد الولايات المتحدة، لكنها تسعى إلى بناء قدرة ذاتية للدفاع عن نفسها وتقليل المخاطر.

ويرى مراقبون أن هذا التوجه لم يظهر فجأة، بل سبقته قرارات عملية، من بينها المضي قدما في مشروع رادار بعيد المدى مشترك مع أستراليا بتكلفة مليارات الدولارات، إضافة إلى نقاش محتدم داخل كندا حول خيارات شراء المقاتلات، بين طائرات إف-35 الأميركية وطائرات غريبن السويدية، وهو نقاش عكس رغبة في تنويع الشركاء وتقليص الارتهان لمصدر واحد.

ومع ذلك، لا تعني الاستراتيجية الجديدة قطيعة مع الولايات المتحدة. فالأمن الكندي سيظل مرتبطا بواشنطن عبر أطر قائمة، من بينها قيادة الدفاع الجوي لأميركا الشمالية، وعضوية كندا في حلف شمال الأطلسي، وشراكة تبادل المعلومات الاستخباراتية المعروفة باسم تحالف العيون الخمس.

كما أن مشاريع دفاعية أميركية، مثل مبادرة القبة الذهبية، تتجاوز في نطاقها الحدود الوطنية للولايات المتحدة.

ويشير محللون إلى أن ما تقوم به كندا يعكس توجها أوسع في الغرب، حيث تسعى دول حليفة تقليديا لواشنطن إلى تعزيز استقلالها الاستراتيجي من دون التخلي عن التحالفات القائمة.

وقال إليوت بنس، الرئيس التنفيذي لشركة دومينيون داينامكس، إن كندا وأوروبا تتقاطعان اليوم عند حقيقة واحدة مفادها أن السيادة لا تُعلن عبر الخطاب السياسي، بل تُبنى عبر الاستثمار والقدرة الصناعية.

وكانت شركته قد أعلنت عن جولة تمويل أولية بقيمة 15 مليون دولار في يناير، في مؤشر على تنامي الاهتمام بالقطاع الدفاعي المحلي.

شارك

Facebook
X
WhatsApp
LinkedIn
Telegram
Email

قد يعجبك أيضاً