أكد رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي أن حملة مكافحة الفساد التي أطلقتها حكومته لا تزال في “مرحلتها الأولى”، متعهداً بمواصلة ملاحقة المتورطين في قضايا الفساد واستعادة الأموال العامة، في أكبر تحرك تشهده البلاد منذ سنوات ضد مسؤولين وسياسيين متهمين باختلاس المال العام واستغلال النفوذ.
وجاءت تصريحات الزيدي عقب موجة واسعة من الاعتقالات نفذتها قوات الأمن العراقية خلال الساعات الماضية، استهدفت نواباً ومسؤولين حكوميين حاليين وسابقين داخل المنطقة الخضراء في بغداد وخارجها، ضمن حملة تقول الحكومة إنها ستستمر ولن تتوقف عند المرحلة الحالية.
وقال الزيدي، خلال اجتماع لمجلس الوزراء إن “هذه هي المرحلة الأولى، ولم تنتهِ قضية الفساد بعد، وسنواصل مكافحته”، مؤكداً أن حكومته ستواصل ملاحقة المتورطين “ليلاً ونهاراً” حتى استعادة الأموال العامة وإعادتها إلى خزينة الدولة.
وأضاف أن الحكومة تتحمل مسؤولية حماية المال العام، مشدداً على أن العراقيين ينتظرون إجراءات حقيقية تعيد الثقة بمؤسسات الدولة بعد سنوات من انتشار الفساد الذي طال معظم القطاعات الحكومية.
وتأتي هذه التصريحات بعدما أعلنت وكالة الأنباء العراقية، نقلاً عن مسؤول حكومي رفيع، أن السلطات اعتقلت حتى مساء الأحد 47 نائباً ومسؤولاً بتهم تتعلق بالفساد، فيما نشرت أسماء 15 شخصية سياسية قالت إن توقيفها جاء استناداً إلى إفادات أدلى بها نائب وزير النفط السابق عدنان الجميلي، الذي اعتقل الشهر الماضي في إطار التحقيقات ذاتها.
وتعد هذه الحملة الأوسع منذ تشكيل حكومة الزيدي في مايو الماضي، حيث تركز بصورة أساسية على ملفات الفساد المالي والإداري، خاصة تلك المرتبطة بعقود الدولة وقطاع النفط الذي يعد المصدر الرئيس للإيرادات العراقية.
وفي موازاة الاعتقالات، انتشرت على منصات التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو غير موثقة زُعم أنها تظهر مبالغ مالية ضخمة صودرت من منزل النائبة العراقية علياء نصيف عقب اعتقالها، بينما تحدثت منشورات متداولة عن مصادرة أكثر من 20 مليار دينار عراقي، أي ما يعادل نحو 15.5 مليون دولار، دون أن تؤكد السلطات العراقية صحة هذه المعلومات أو تعلن رسمياً حجم الأموال المضبوطة.
وفي خطوة تهدف إلى تنظيم الأموال المستردة، أصدر رئيس الوزراء توجيهات إلى وزارة المالية بفتح حساب مصرفي خاص تودع فيه جميع الأموال المصادرة خلال عمليات مكافحة الفساد، بحسب ما أعلنه المتحدث باسم الحكومة حيدر العبودي، الذي أوضح أن السلطات لم تكشف حتى الآن عن إجمالي المبالغ التي تمت مصادرتها.
وأكد الزيدي أن الأموال العامة يجب أن تعود إلى أصحابها الحقيقيين، قائلاً: “نريد من أي شخص يمتلك أموالاً عامة أن يعيدها إلى الشعب، فأموال الشعب تعود إلى الشعب”.
وأضاف أن الحكومة جاءت استجابة لمطالب العراقيين الذين يتطلعون إلى بناء دولة قائمة على النزاهة وسيادة القانون، مؤكداً أنه لن يسمح باستمرار الممارسات التي أهدرت ثروات البلاد خلال السنوات الماضية.
وشدد رئيس الوزراء العراقي على أنه لن يتهاون مع أي مسؤول يثبت تورطه في الاستيلاء على المال العام، قائلاً: “كل من يعمل في الدولة ويسرق أموال الأيتام والفقراء فهو مخطئ، وأقول له لا تتهاون، سألاحقه ليلاً ونهاراً”.
كما أكد أن حكومته لن توفر الحماية لأي مسؤول متهم بالفساد، مضيفاً: “في هذه الحكومة لا يتمتع أي شخص فاسد بالحصانة”، في رسالة اعتبرها مراقبون موجهة إلى الطبقة السياسية التي لطالما اتُهمت بالتمتع بحماية سياسية وقضائية حالت دون ملاحقة العديد من ملفات الفساد.
وحاول الزيدي طمأنة الرأي العام العراقي بأن الحكومة جادة في تنفيذ تعهداتها، مؤكداً أن حماية المال العام تمثل أولوية أساسية، وأن الدولة ستواصل إجراءاتها حتى استكمال جميع التحقيقات ومحاسبة المتورطين.
وقال: “أطمئن شعبنا، لديكم حراس أكفاء، وأموالكم أمانة في أعناقنا، كما أن دماءكم ومصالحكم أمانة علينا، وسنواصل متابعة هذا الملف”.
وربط رئيس الوزراء بين حملة مكافحة الفساد ومشروع حكومته لإعادة بناء مؤسسات الدولة، معتبراً أن نجاح الحملة يمثل بداية “مرحلة جديدة” في تاريخ العراق.
وأضاف: “ستكون هذه الحكومة حكومة متميزة، واليوم يبدأ العراق صفحة جديدة، عراق جديد”.
من جانبه، أكد المتحدث باسم الحكومة حيدر العبودي أن الحملة الحالية تختلف عن الحملات السابقة التي شهدتها البلاد، موضحاً أنها تستند إلى تحقيقات موسعة ولن تتوقف عند الاعتقالات الأخيرة، بل ستتواصل مع استكمال التحقيقات وكشف مزيد من المتورطين.
وأشار العبودي إلى أن السلطات نفذت أيضاً عمليات توقيف داخل إقليم كردستان بالتنسيق مع سلطات الإقليم، فيما لا يزال عدد من المطلوبين خارج قبضة الأجهزة الأمنية، دون الكشف عن أسمائهم أو تفاصيل إضافية بشأنهم.
ويرى مراقبون أن نجاح الحكومة في مواصلة هذه الحملة سيشكل اختباراً حقيقياً لقدرتها على مواجهة شبكات الفساد المتغلغلة داخل مؤسسات الدولة منذ سنوات، في ظل تعقيدات المشهد السياسي وتشابك المصالح بين القوى الحزبية.
ويحتل العراق المرتبة 136 من أصل 181 دولة في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، فيما ظلت ملفات الفساد، خاصة في قطاع النفط ومشاريع الإعمار، من أبرز التحديات التي واجهت الحكومات العراقية المتعاقبة منذ عام 2003، وسط اتهامات بإهدار مليارات الدولارات المخصصة لإعادة بناء مؤسسات الدولة وتحسين الخدمات العامة.




