توفي الفنان البريطاني الشهير ديفيد هوكني، أحد أبرز رموز الفن المعاصر في العالم خلال القرنين العشرين والحادي والعشرين، عن عمر ناهز 88 عاما، بعد مسيرة فنية امتدت لعقود جمع خلالها بين الرسم التقليدي والتكنولوجيا الحديثة وترك بصمة واسعة في تاريخ الفن العالمي.
وأعلن فريق عمل هوكني وفاته بسلام في منزله في 11 يونيو 2026، قبل شهر واحد فقط من بلوغه التاسعة والثمانين، مؤكدا أن العالم فقد واحدا من أكثر الفنانين تأثيرا وتميزا في العصر الحديث.
واشتهر هوكني باستخدامه الجريء للألوان وقدرته على تحويل المشاهد اليومية إلى أعمال بصرية نابضة بالحياة، من حمامات السباحة المضيئة في كاليفورنيا إلى المناظر الطبيعية الهادئة في الريف الإنجليزي.
وتحول الفنان المولود في مدينة برادفورد شمال إنجلترا إلى أحد أشهر الوجوه الفنية البريطانية، ليس فقط بسبب أعماله، بل أيضا بسبب مظهره المميز بنظارته الدائرية الكبيرة وشعره الأشقر وأسلوبه الشخصي الذي جعله شخصية معروفة عالميا.
واكتسب هوكني مكانته الدولية بعد انتقاله إلى كاليفورنيا في ستينيات القرن الماضي، حيث وجد في الضوء والمساحات المفتوحة مصدر إلهام جديدا، وأنتج عددا من أشهر أعماله التي أصبحت مرتبطة بصورة الحياة الأمريكية الحديثة.
وتعد لوحة “الرذاذ الأكبر” التي رسمها عام 1967 من أبرز أعماله، إذ جسدت اهتمامه بالضوء والماء والحركة، وأصبحت واحدة من أكثر الصور شهرة في الفن البريطاني الحديث.
وخالف هوكني منذ بداية مسيرته الاتجاهات الفنية السائدة، ففي وقت كان الفن التجريدي يهيمن على المشهد، تمسك بالرسم التصويري والشخصيات والمناظر الطبيعية، مستخدما ألوانا قوية وأسلوبا بصريا خاصا.
وبدأ تمرده الفني مبكرا خلال دراسته، عندما رفض الالتزام ببعض القواعد الأكاديمية التقليدية، مطالبا بأن يتم تقييمه بناء على أعماله الفنية بدلا من المتطلبات النظرية.
ورغم استلهامه من مدارس فنية متعددة، من فناني عصر النهضة إلى التعبيرية التجريدية، حافظ هوكني على مسار مستقل جعله أحد أكثر الفنانين قدرة على التجديد دون التخلي عن هويته الخاصة.
وفي عام 2018، حقق رقما قياسيا عالميا عندما بيعت لوحته “صورة فنان.. بركة مع شخصيتين” في مزاد بنيويورك مقابل نحو 90 مليون دولار، لتصبح حينها أغلى عمل لفنان حي.
ولم يتوقف هوكني عن التجريب حتى سنواته الأخيرة، إذ تبنى التكنولوجيا الحديثة واستخدم أجهزة آيباد لإنتاج أعمال رقمية، مؤكدا أن الأدوات الجديدة يمكن أن تفتح آفاقا مختلفة أمام الفنانين.
وخلال فترة الإغلاق المرتبطة بجائحة كورونا أثناء وجوده في فرنسا، أنتج سلسلة من الرسومات الرقمية التي تحولت لاحقا إلى لوحة جدارية ضخمة بعنوان “عام في نورماندي”، بطول يقارب 90 مترا.
ورغم انتقادات بعض النقاد لعودته المكثفة إلى رسم الطبيعة والمناظر الريفية، دافع هوكني عن اختياراته الفنية، مؤكدا أنه لم يكن يهتم باتباع الموضة الفنية أو إرضاء التيارات السائدة.
وحظي الفنان الراحل بتكريمات واسعة في بريطانيا، حيث منحته الملكة إليزابيث الثانية وسام الاستحقاق عام 2012 تقديرا لإسهاماته الكبيرة في الثقافة والفنون.
ونعى رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر الفنان الراحل، مؤكدا أن أعماله المليئة بالحيوية والألوان أثرت في أجيال من الفنانين وتركت إرثا لا يمكن تجاهله.
كما أكد مسؤولو متحف تيت بريطانيا أن هوكني كان من أهم الشخصيات المرتبطة بتاريخ المتحف، مشيرين إلى أن أعماله دخلت مجموعاته منذ ستينيات القرن الماضي.
وبرحيل ديفيد هوكني، يفقد العالم أحد الفنانين الذين أعادوا تعريف العلاقة بين الفن والضوء والتكنولوجيا، بعدما نجح طوال أكثر من ستة عقود في الحفاظ على فضوله الفني وقدرته المستمرة على الابتكار.




