خلاف أوروبي يتصاعد: ماكرون يدفع بمشروع “صنع في أوروبا” وسط معارضة ألمانية إيطالية متزايدة

الرئيس الفرنسي

شارك

يتجه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى قمة قادة الاتحاد الأوروبي المقبلة وهو يحمل رؤية اقتصادية طموحة تقوم على تعزيز التصنيع المحلي الأوروبي وتقليل الاعتماد على الشركاء الخارجيين، إلا أن هذه الرؤية تواجه رفضاً متزايداً من ألمانيا وإيطاليا، ما ينذر بصدام سياسي واقتصادي داخل التكتل الأوروبي في مرحلة حساسة.

ويسعى ماكرون إلى ترسيخ مفهوم “صنع في أوروبا” عبر سياسات تعتمد على زيادة الاستثمارات العامة، ودعم الصناعة الأوروبية، وفرض قواعد تفضيلية للمنتجات الأوروبية في المشتريات الحكومية، إضافة إلى تقليل البيروقراطية لتسهيل نمو الشركات داخل الاتحاد.

وتستند هذه الرؤية إلى فكرة الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي، خاصة في ظل التوترات الجيوسياسية العالمية وتصاعد المنافسة الاقتصادية مع الولايات المتحدة والصين.

لكن في المقابل، يتبنى المستشار الألماني فريدريش ميرز ورئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني توجهاً مختلفاً يقوم على تعزيز القدرة التنافسية للصناعة الأوروبية دون تبني سياسات حمائية واسعة، خشية إبعاد المستثمرين والشركاء التجاريين الدوليين.

ويرى الطرفان أن الحفاظ على انفتاح الأسواق الأوروبية يمثل شرطاً أساسياً للحفاظ على قوة الاقتصاد الأوروبي عالمياً.

ويعكس هذا الخلاف تحولاً في موازين القوى داخل الاتحاد الأوروبي، حيث بات التنسيق بين برلين وروما أكثر وضوحاً، في وقت تسعى فيه باريس إلى قيادة توجه اقتصادي أكثر استقلالية.

ويخشى دبلوماسيون أوروبيون من أن يؤدي هذا الانقسام إلى إضعاف قدرة الاتحاد على اتخاذ قرارات اقتصادية موحدة في مواجهة التحديات العالمية.

كما تواجه رؤية ماكرون معارضة من عدد من دول شمال وشرق أوروبا، التي تحذر من أن فرض أفضلية للمنتجات الأوروبية قد يؤدي إلى تراجع الاستثمارات الأجنبية داخل الاتحاد. وترى هذه الدول أن الحفاظ على السوق المفتوحة يمثل أحد أهم عناصر نجاح الاتحاد الأوروبي اقتصادياً خلال العقود الماضية.

وتزداد صعوبة مهمة ماكرون في ظل تراجع نفوذه السياسي داخل أوروبا، مع اقتراب نهاية ولايته الرئاسية، ما يجعل بعض الشركاء الأوروبيين أكثر تحفظاً تجاه دعمه في مشاريع استراتيجية طويلة المدى.

ويؤكد دبلوماسيون أن قوة أي زعيم أوروبي في بروكسل ترتبط بشكل مباشر بقوته السياسية داخل بلاده، وهو ما يضعف موقع الرئيس الفرنسي نسبياً في المفاوضات.

ويأتي هذا التوتر الأوروبي في سياق أوسع من الخلافات حول العلاقة مع الولايات المتحدة، خاصة بعد أزمات سياسية واقتصادية سابقة بين ضفتي الأطلسي.

ففي حين تدفع فرنسا باتجاه استقلال أوروبي أكبر في المجالات الاقتصادية والدفاعية، تميل ألمانيا وإيطاليا إلى الحفاظ على توازن دقيق في علاقاتهما مع واشنطن.

كما ظهر الخلاف بوضوح في النقاشات حول تشريعات أوروبية جديدة تهدف إلى تسريع تطوير الصناعة داخل الاتحاد، حيث تعثرت هذه المشاريع بسبب الخلاف حول مدى تطبيق قواعد تفضيل المنتجات الأوروبية.

وفي مؤشر إضافي على التباعد السياسي، يعمل ميرز وميلوني على تعزيز التنسيق الثنائي بين بلديهما، بما في ذلك إعداد وثائق مشتركة تحدد أولويات اقتصادية مختلفة عن الرؤية الفرنسية، مع التركيز على تخفيف القيود التنظيمية وتسهيل عمل الشركات عبر الحدود داخل السوق الأوروبية الموحدة.

ويكشف الخلاف الحالي عن مرحلة جديدة من التنافس داخل الاتحاد الأوروبي حول مستقبل النموذج الاقتصادي للتكتل، بين رؤية فرنسية تقوم على تعزيز الاستقلال الصناعي، ورؤية ألمانية إيطالية تميل إلى الانفتاح التجاري والمرونة الاقتصادية، وهو صراع قد يحدد شكل الاقتصاد الأوروبي خلال السنوات المقبلة.

شارك

Facebook
X
WhatsApp
LinkedIn
Telegram
Email

قد يعجبك أيضاً