الولايات المتحدة تعيد التموضع داخل منظمة التجارة العالمية بصمت

الاقتصاد الأمريكي

شارك

تتحرك الولايات المتحدة في مسار مزدوج تجاه النظام التجاري العالمي، بعد أن قوضت قواعده عبر سياسات جمركية أحادية، لتعود اليوم بشكل تدريجي وهادئ إلى إعادة الانخراط في منظمة التجارة العالمية، في خطوة تعكس إعادة حسابات استراتيجية أكثر منها تحولًا مبدئيًا.

وتأتي هذه التحركات مع استعداد وزراء التجارة من عشرات الدول للاجتماع في العاصمة الكاميرونية ياوندي، في محاولة لإحياء دور منظمة التجارة العالمية التي تعاني من شلل متزايد، في ظل تصاعد النزاعات التجارية وتراجع الالتزام بالقواعد متعددة الأطراف.

وتكشف المؤشرات أن إدارة الرئيس دونالد ترامب، التي مزّقت سابقًا قواعد المنظمة عبر فرض تعريفات جمركية واسعة وتجاهل آلياتها القانونية، بدأت ترسل إشارات مختلفة، تؤكد رغبتها في البقاء داخل النظام، ولكن وفق شروط جديدة.

وقد بدأت واشنطن منذ فترة في الدفع باتجاه إعادة تشكيل المنظمة من الداخل، بدل الانسحاب منها، عبر طرح مقترحات إصلاحية تستهدف جوهر النظام التجاري العالمي.

وتركّز هذه المقترحات على تعديل مبدأ “الدولة الأكثر تفضيلًا”، الذي يقوم على معاملة جميع الدول بشكل متساوٍ، حيث تسعى الولايات المتحدة إلى كسر هذا المبدأ، بما يسمح لها بالتعامل بشكل مختلف مع خصومها، وعلى رأسهم الصين.

ويعكس هذا التوجه رغبة أمريكية في إعادة هندسة قواعد التجارة بما يخدم مصالحها الاستراتيجية، بدل الالتزام بقواعد تعتبرها غير عادلة في ظل التحولات الاقتصادية العالمية.

في الوقت نفسه، تدفع واشنطن نحو اعتماد نماذج أكثر مرونة في الاتفاقيات التجارية داخل المنظمة، عبر تشجيع الاتفاقيات متعددة الأطراف بين مجموعات محدودة من الدول، بدلًا من اشتراط الإجماع الكامل الذي يعطل القرارات.

وتأتي هذه التحركات في ظل بيئة دولية مشحونة، حيث تتداخل النزاعات التجارية مع الأزمات الجيوسياسية، من الحرب في أوكرانيا إلى التوترات في الشرق الأوسط، ما يضع النظام التجاري العالمي تحت ضغوط غير مسبوقة.

ورغم هذا الانخراط الجديد، لا تزال الثقة الدولية في الولايات المتحدة مهزوزة، إذ تتذكر الدول الأعضاء كيف امتنعت واشنطن عن سداد مساهماتها المالية، وعطلت عمل هيئة الاستئناف، وتجاهلت قرارات المنظمة.

وتعكس هذه الذاكرة السلبية حالة من الحذر لدى الشركاء التجاريين، الذين يتساءلون عن مدى جدية التحول الأمريكي، وما إذا كان مجرد تكتيك مؤقت لاحتواء الضغوط، أم بداية لمرحلة جديدة من الالتزام.

في المقابل، ترى واشنطن أن المنظمة بحاجة إلى إصلاح جذري، معتبرة أن القواعد الحالية لم تعد تعكس واقع الاقتصاد العالمي، خاصة في ظل صعود قوى اقتصادية جديدة لا تلتزم بنفس المعايير.

وأحد أبرز الملفات التي تركز عليها الولايات المتحدة هو التجارة الرقمية، حيث تسعى إلى تمديد الإعفاء من الرسوم الجمركية على التدفقات الإلكترونية، وهو ما يعد حيويًا لشركات التكنولوجيا الأمريكية الكبرى.

ويمثل هذا الملف اختبارًا مهمًا لقدرة واشنطن على حشد الدعم داخل المنظمة، خاصة في ظل معارضة بعض الدول التي ترى في هذا الإعفاء خسارة لإيرادات محتملة.

في هذا السياق، لجأت الولايات المتحدة إلى تكثيف تحركاتها الثنائية، عبر إبرام تفاهمات مع دول مثل إندونيسيا وماليزيا وتايلاند، لضمان تمرير هذا التوجه داخل المنظمة.

ويقود هذا التحرك فريق دبلوماسي وتجاري جديد، يسعى إلى تقديم صورة أكثر براغماتية، تجمع بين الحفاظ على المصالح الأمريكية والانخراط في النظام متعدد الأطراف.

ورغم هذه الجهود، يبقى التحدي الأكبر هو استعادة الثقة، في ظل تناقض واضح بين الخطاب الأمريكي الداعي للإصلاح، والممارسات السابقة التي ساهمت في إضعاف المنظمة.

وتشير التقديرات إلى أن العالم يقف أمام لحظة مفصلية، حيث يتفق الجميع على ضرورة إصلاح النظام التجاري، لكن الخلافات تتركز حول كيفية تحقيق ذلك، ومن سيقود هذه العملية.

شارك

Facebook
X
WhatsApp
LinkedIn
Telegram
Email

قد يعجبك أيضاً