يرى خبراء في شؤون أميركا اللاتينية أن تصاعد الضغوط السياسية الأميركية في المنطقة أسهم في فتح المجال أمام تمدد النفوذ الإسرائيلي، من دون أن يؤدي ذلك إلى تراجع جذري في الدعم التاريخي الذي تحظى به القضية الفلسطينية داخل عدد من دول القارة.
ففي مقابل محاولات واشنطن إعادة تشكيل خريطة الاصطفافات الإقليمية بما يخدم أولوياتها الاستراتيجية، لا تزال حكومات يسارية في أميركا اللاتينية تتمسك بخطاب داعم للفلسطينيين، مستندة إلى إرث طويل من المواقف المناهضة للاستعمار والإمبريالية، وإن كان هذا الدعم بات يُدار بحذر أكبر في ظل موازين القوى الحالية.
خلال الحرب الإسرائيلية على غزة، اتخذت دول كبرى في المنطقة مواقف غير مسبوقة؛ إذ وصف الرئيس البرازيلي الهجوم بأنه إبادة جماعية، وقطعت كولومبيا علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل، بينما سعت تشيلي إلى مساءلة تل أبيب أمام المحافل الدولية. هذه الخطوات عكست استمرار حضور القضية الفلسطينية في الوعي السياسي اللاتيني، رغم الضغوط المتزايدة.
في المقابل، تكثف الولايات المتحدة مساعيها لدفع دول المنطقة نحو اصطفاف أوثق مع إسرائيل، مستخدمة أدوات سياسية واقتصادية مباشرة، من بينها الضغوط الدبلوماسية، وربط الدعم المالي بمواقف خارجية بعينها، إلى جانب استهداف قيادات تُعد من أبرز الداعمين لفلسطين.
ويشير مختصون إلى أن دول أميركا اللاتينية تفتقر إلى أدوات الردع الصلبة، ما يجعل قدرتها على مقاومة الضغوط الأميركية محدودة، ويدفع بعض الحكومات إلى تجنب الصدام المفتوح مع واشنطن. هذا الواقع، بحسب الخبراء، أتاح لإسرائيل تعزيز حضورها في مجالات الأمن والتكنولوجيا والعلاقات الاقتصادية، خصوصاً في الدول التي تسعى إلى الحفاظ على علاقات مستقرة مع الولايات المتحدة.
وقد برزت الأرجنتين نموذجاً لهذا التحول، مع وصول حكومة يمينية متطرفة إلى السلطة، تبنت خطاباً داعماً لإسرائيل، وأعلنت نيتها نقل سفارتها إلى القدس، إلى جانب تعميق التعاون الأمني والاقتصادي معها. هذا التحول تزامن مع حصول بوينس آيرس على دعم مالي أميركي كبير، ما عزز الانطباع بوجود ترابط بين التموضع السياسي والمكاسب الاقتصادية.
في المقابل، يرى مراقبون أن استهداف فنزويلا وقيادتها شكّل ضربة مباشرة لأحد أكثر الأصوات اللاتينية دفاعاً عن فلسطين. فقد ارتبط موقف كاراكاس تقليدياً برؤية تعتبر القضية الفلسطينية جزءاً لا يتجزأ من الصراع ضد الهيمنة الأميركية، ما جعلها هدفاً دائماً للضغوط والعقوبات.
مع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، اتجهت حكومات يسارية أخرى، مثل البرازيل وكولومبيا، إلى إعادة ضبط مواقفها، من دون التخلي عن انتقاداتها لإسرائيل. هذا التوازن، وفق الخبراء، لا يعكس تراجعاً عن دعم فلسطين بقدر ما يعكس محاولة لتقليص كلفة المواجهة في ظل غياب بدائل استراتيجية فعالة.
في الوقت ذاته، أدى صعود التيارات اليمينية في بعض دول القارة إلى تسريع التقارب مع واشنطن وتل أبيب، سواء من خلال مبادرات سياسية جديدة أو الانخراط في أطر دولية تقودها الولايات المتحدة. غير أن هذا التحول لا يحظى بإجماع داخلي، إذ لا تزال قوى سياسية ومجتمعية فاعلة ترفض أي مسار يُنظر إليه بوصفه انتقاصاً من حقوق الفلسطينيين أو إعادة إنتاج للهيمنة الغربية تحت عناوين جديدة.
ويرى محللون أن الدعم اللاتيني لفلسطين لطالما مر بمراحل مد وجزر، وأن ما تشهده المنطقة اليوم لا يمثل نهاية لهذا الإرث، بل حلقة ضمن مسار تاريخي طويل، تتغير فيه أشكال التعبير عن التضامن تبعاً للظروف السياسية، من دون أن يختفي جوهره.





