خلافات إيران تكشف تآكل الثقة بين واشنطن ولندن وتشقق “العلاقة الخاصة”

خلافات إيران تكشف تآكل الثقة بين واشنطن ولندن وتشقق “العلاقة الخاصة”

شارك

تكشف تطورات الحرب على إيران عن تصدّع متزايد في ما يُعرف بـ“العلاقة الخاصة” بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، مع تصاعد التوتر بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، ما انعكس مباشرة على مستويات التعاون السياسي والعسكري بين البلدين.

وقد بدأ الخلاف الأمريكي البريطاني يمتد إلى آليات العمل اليومية بين المؤسسات الأمنية والدبلوماسية، في مؤشر واضح على تآكل الثقة التي شكلت لعقود أساس العلاقة بين الطرفين.

وجاءت الانتقادات العلنية التي وجهها ترامب إلى ستارمر لتعمّق هذا التوتر، حيث هاجم رئيس الوزراء البريطاني بشكل مباشر، في خطاب يعكس تغيراً في طبيعة التعامل الأمريكي مع الحلفاء التقليديين، ويضع لندن في موقع غير معتاد ضمن الحسابات الأمريكية.

وتكشف مصادر مطلعة أن هذه التصريحات لم تمر دون أثر، بل انعكست على العلاقات خلف الكواليس، حيث أصبحت الاجتماعات المشتركة أكثر تحفظاً، وتم تقييد مشاركة المسؤولين الأمريكيين المعارين داخل المؤسسات البريطانية عند مناقشة ملفات حساسة، خلافاً لما كان سائداً من انفتاح واسع.

ويعكس هذا التحول مستوى غير مسبوق من الحذر، ويشير إلى أن الشراكة التي كانت تقوم على تبادل المعلومات والثقة المتبادلة بدأت تفقد أحد أهم ركائزها، وهو الانسيابية في التنسيق الأمني.

في السياق ذاته، برزت مؤشرات احتكاك إضافية، تمثلت في إبطاء بريطانيا إجراءات الموافقة على استخدام القواعد العسكرية من قبل الولايات المتحدة، مثل قاعدة “راف فايرفورد”، حيث أصبحت الطلبات الأمريكية تمر بعمليات تدقيق أطول وأكثر تعقيداً.

ويأتي هذا التغيير في وقت حساس، إذ كانت هذه الموافقات تُمنح سابقاً بشكل سريع، ما يعكس تحولاً في طريقة تعامل لندن مع الطلبات العسكرية الأمريكية، خاصة تلك المرتبطة بالعمليات في الشرق الأوسط.

ويشير التردد البريطاني في السماح باستخدام القواعد لشن ضربات على إيران إلى نقطة خلاف جوهرية، حيث تحاول لندن الحفاظ على هامش من الاستقلالية في قراراتها العسكرية، في مواجهة ضغوط أمريكية متزايدة للانخراط بشكل أعمق في العمليات.

كما يعكس هذا التباين اختلافاً في تقييم المخاطر، إذ تبدو بريطانيا أكثر حذراً من الانجرار إلى تصعيد واسع، مقارنة بالإدارة الأمريكية التي تتبنى نهجاً أكثر اندفاعاً.

في المقابل، يؤكد مسؤولون بريطانيون أن السياسة الأمنية لم تتغير، وأن كل طلب أمريكي يُدرس بشكل منفصل وفق الاعتبارات القانونية والوطنية، في محاولة لاحتواء الانطباع بوجود قطيعة أو تحول جذري.

لكن خلف هذا الخطاب الرسمي، تشير المعطيات إلى تضييق قنوات الاتصال التقليدية، حيث أصبح الوصول إلى مراكز القرار في واشنطن أكثر صعوبة، مع اعتماد الإدارة الأمريكية على دائرة ضيقة من المستشارين، ما يحد من قدرة الدبلوماسيين البريطانيين على التأثير أو حتى الاطلاع المبكر على القرارات.

ويعزز هذا الوضع شعوراً متزايداً في لندن بأن أدوات النفوذ التقليدية لم تعد فعالة كما كانت، وأن العلاقات الشخصية والمؤسسية التي شكلت تاريخياً “صمام أمان” لم تعد كافية لتجاوز الخلافات السياسية.

كما تبرز مخاوف من أن التباينات العلنية بدأت تتسرب إلى مستويات العمل اليومية، ما قد يؤثر على التنسيق العملياتي، رغم استمرار التعاون في مجالات مثل تبادل المعلومات الاستخباراتية.

في هذا السياق، يرى محللون أن العلاقة بين البلدين تمر بمرحلة إعادة تعريف، حيث لم تعد قائمة على التوافق التلقائي، بل أصبحت خاضعة لحسابات أكثر تعقيداً، تتأثر بتغيرات السياسة الأمريكية الداخلية، خاصة في ظل الانقسامات داخل معسكر ترامب نفسه.

ورغم ذلك، يؤكد مسؤولون سابقون أن البنية العميقة للعلاقة لا تزال صامدة، مشيرين إلى أن التعاون العسكري والاستخباراتي مستمر إلى حد كبير، وأن ما يحدث يمثل توتراً سياسياً أكثر منه انهياراً مؤسسياً.

وتشير هذه القراءة إلى أن العلاقة بين واشنطن ولندن تشبه “جبل الجليد”، حيث تبقى البنية الأساسية مستقرة تحت السطح، بينما تظهر التوترات في الجزء الظاهر نتيجة الخلافات السياسية.

مع ذلك، لا يمكن تجاهل أن الثقة السياسية تعرضت لضرر واضح، وهو عامل قد ينعكس على المدى المتوسط في شكل العلاقة، خاصة إذا استمرت الخلافات حول ملفات رئيسية مثل الحرب على إيران.

 

شارك

Facebook
X
WhatsApp
LinkedIn
Telegram
Email

قد يعجبك أيضاً