تشهد الرئاسة الفرنسية مرحلة تآكل داخلي متسارع، مع بدء الدائرة المقربة من الرئيس إيمانويل ماكرون بالتفكك، في ظل موجة استقالات تضرب قصر الإليزيه قبل عام واحد فقط من نهاية ولايته الثانية.
ويظهر تتبع التطورات في باريس أن عدداً من أبرز مستشاري ماكرون غادروا مواقعهم خلال الأسابيع الماضية، في مؤشر واضح على تراجع التماسك داخل مركز القرار، وتنامي الشعور بقرب نهاية المرحلة السياسية للرئيس.
فقد غادر أربعة مستشارين كبار مواقعهم خلال الشهرين الماضيين، بينهم مسؤولون رفيعو المستوى كانوا يشرفون على تنسيق ملفات السياسات داخل الإليزيه، ما يترك فراغاً إدارياً في لحظة حساسة سياسياً.
وتعكس هذه الاستقالات تحولاً في سلوك النخبة المحيطة بالرئيس، حيث بدأ المسؤولون في ترتيب مساراتهم المهنية لما بعد ماكرون، خاصة مع عدم قدرته على الترشح لولاية ثالثة، وتعثر قدرته على تمرير أجندته داخل برلمان منقسم.
وتشير مصادر حكومية إلى أن “الأولوية أصبحت للمستقبل الشخصي”، في ظل إدراك واسع بأن مرحلة ماكرون السياسية دخلت طور الانحدار، ما يدفع المقربين منه إلى مغادرة السفينة قبل نهاية الرحلة.
وتتجه الأنظار إلى احتمال مغادرة مدير ديوان الرئيس، إيمانويل مولان، الذي يُعد أحد أكثر الشخصيات نفوذاً في النظام، حيث يدرس الترشح لرئاسة بنك فرنسا، في خطوة قد تمثل ضربة إضافية لهيكل السلطة داخل الإليزيه.
وفي حال تحقق ذلك، فإن مغادرة مولان ستفقد ماكرون أحد أهم أعمدة إدارته، خاصة في ظل اعتماده الكبير على دائرة ضيقة من الموالين لاتخاذ القرارات، وهو ما يزيد من هشاشة النظام الداخلي للرئاسة.
وتترافق هذه التطورات مع اعتراف ضمني من رئيس الوزراء سيباستيان ليكورنو بوجود حالة “تهدئة” داخل مؤسسات الحكم مع اقتراب الانتخابات، في إشارة إلى تباطؤ العمل السياسي وتراجع الزخم التنفيذي.
وتشمل موجة المغادرة أيضاً شخصيات بارزة، مثل إميلي بييت وكونستانس بنسوسان، اللتين انتقلتا إلى مناصب قيادية خارج الإليزيه، في وقت غادرت فيه مستشارة الشرق الأوسط آن كلير ليجندر لتولي منصب جديد، بعد دور دبلوماسي بارز.
وتعكس هذه التحركات نزيفاً تدريجياً في الكفاءات داخل الفريق الرئاسي، ما يضعف قدرة الإليزيه على إدارة الملفات المعقدة، خاصة في ظل تصاعد الأزمات الدولية.
ويحذر مسؤولون سابقون من أن هذا التفكك قد يؤثر على آلية اتخاذ القرار داخل الحكومة، حيث يؤدي غياب الشخصيات المحورية إلى خلل في التنسيق بين المؤسسات.
وفي مواجهة هذا الوضع، يسعى ماكرون إلى تعويض المغادرين عبر إعادة تدوير شخصيات قديمة من داخل النظام، بدل استقطاب وجوه جديدة، في ظل صعوبة جذب كفاءات للعمل لفترة قصيرة قبل نهاية الولاية.
وتُظهر هذه المقاربة توجهاً نحو إدارة المرحلة الأخيرة بأدوات تقليدية، مع التركيز على الاستقرار الإداري بدل إطلاق مبادرات سياسية جديدة، في محاولة لتجنب الأخطاء خلال الفترة المتبقية.
لكن هذا النهج يعكس أيضاً محدودية الخيارات أمام الرئيس، في ظل فقدان الجاذبية السياسية لمنصبه مع اقتراب نهايته، وتراجع قدرته على فرض أجندته داخلياً وخارجياً.
وتشير التقديرات إلى أن السنة الأخيرة من ولاية ماكرون ستتحول إلى مرحلة إدارة أزمات، بدل أن تكون فترة إصلاحات أو إنجازات كبرى، خاصة مع استمرار التوترات الدولية وتحديات الداخل الفرنسي.




