تتزايد الضغوط على الاقتصاد التركي مع اتساع تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، حيث بدأت الأسواق المالية في أنقرة تواجه موجة خروج لرؤوس الأموال الأجنبية بالتزامن مع ارتفاع أسعار الطاقة وتسارع التضخم.
وتشير تقديرات مصرفيين دوليين إلى أن المستثمرين الأجانب سحبوا ما بين 25 و30 مليار دولار من الأصول التركية منذ اندلاع الحرب في أواخر فبراير، في خطوة تعكس تراجع الثقة في الأسواق الناشئة مع تصاعد المخاطر الجيوسياسية في المنطقة.
ويفضل المستثمرون حالياً الاحتفاظ بالسيولة بالدولار الأمريكي بدلاً من التعرض للأصول التركية، وهو ما دفع البنك المركزي إلى التدخل في الأسواق لمحاولة الحفاظ على استقرار الليرة.
وقد أنفق البنك المركزي التركي نحو 25 مليار دولار خلال الأيام العشرة الماضية لدعم الأسواق المالية واحتواء تقلبات العملة.
وجاء هذا التدخل في ظل اضطراب أسواق الطاقة العالمية بسبب المخاوف من إغلاق مضيق هرمز، وهو ما أدى إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز بشكل حاد.
كما قرر البنك المركزي وقف دورة خفض أسعار الفائدة التي كانت مستمرة منذ أشهر، في محاولة لتهدئة الأسواق المالية واحتواء الضغوط التضخمية.
وبموجب القرار الجديد استقر سعر الإقراض لليلة واحدة عند مستوى يقارب 40 في المئة.
وتواجه تركيا تحدياً خاصاً في ظل ارتفاع أسعار الطاقة لأنها تعتمد بشكل كبير على استيراد النفط والغاز لتلبية احتياجاتها.
ويرى مصرفيون أن الوضع الحالي يذكر بصدمة النفط في سبعينيات القرن الماضي عندما تسبب حظر النفط العربي في ارتفاع الأسعار عالمياً وألحق أضراراً كبيرة بالاقتصاد التركي بسبب ارتفاع تكاليف الاستيراد.
وكان التضخم في تركيا يسير بالفعل في اتجاه تصاعدي قبل اندلاع الحرب.
ففي فبراير ارتفعت أسعار المستهلكين بنسبة 2.96 في المئة، ما رفع معدل التضخم السنوي إلى نحو 33.39 في المئة.
ويعد هذا المستوى أعلى بكثير من الهدف الرسمي للحكومة التركية الذي يبلغ 16 في المئة بنهاية العام.
وتشكل أسعار النفط المرتفعة تهديداً مباشراً لجهود الحكومة لخفض التضخم وتحقيق الاستقرار الاقتصادي.
فكل زيادة قدرها عشرة دولارات في سعر النفط تؤدي إلى ارتفاع العجز السنوي في الحساب الجاري بنحو 5.1 مليار دولار.
ومع ارتفاع أسعار النفط بنحو 30 دولاراً للبرميل منذ بداية العام، قد يزداد العجز التركي بنحو 15 مليار دولار إضافية.
وكان عجز الحساب الجاري قد بلغ بالفعل 6.8 مليار دولار في يناير، وهو مستوى قياسي جاء نتيجة ارتفاع واردات الذهب والطاقة.
ويحذر خبراء اقتصاديون من أن استمرار أسعار النفط عند مستوى يقارب 100 دولار للبرميل قد يرفع معدل التضخم السنوي في تركيا بنحو خمس نقاط مئوية إضافية.
ويعني ذلك أن جهود الحكومة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي قد تواجه صعوبات كبيرة خلال الأشهر المقبلة.
وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن العجز في الحساب الجاري قد يصل إلى نحو 35 مليار دولار إذا استمرت أسعار النفط والغاز عند مستويات مرتفعة خلال الأشهر المقبلة.
وفي محاولة لاحتواء تأثير ارتفاع أسعار الطاقة على المستهلكين، أعادت الحكومة التركية تفعيل آلية ضريبة الوقود التي تسمح بتخفيض الضرائب المفروضة على الوقود عند ارتفاع الأسعار.
وتهدف هذه الآلية إلى تخفيف العبء المالي على المواطنين وكذلك الحد من انتقال ارتفاع أسعار الطاقة إلى بقية السلع والخدمات.
ويقول خبراء إن هذه السياسة قد تساعد في تقليل الضغوط التضخمية على المدى القصير، لكنها قد تؤثر في المقابل على الإيرادات الضريبية للحكومة.
كما يواجه الاقتصاد التركي مخاطر إضافية مرتبطة بقطاع السياحة الذي يعد أحد أهم مصادر العملة الصعبة في البلاد.
وقد أثارت الهجمات الصاروخية الإيرانية التي استهدفت محافظة أضنة التركية مخاوف من أن يؤدي استمرار التوتر الإقليمي إلى تراجع أعداد السياح.
ويرى خبراء أن أي تراجع في عائدات السياحة قد يزيد الضغوط على ميزان المدفوعات التركي.
وفي هذا السياق يرى بعض المحللين أن البنك المركزي كان ينبغي أن يتخذ إجراءات أكثر تشدداً لمواجهة المخاطر الجيوسياسية.
ويقول مراقبون إن رفع أسعار الفائدة كان قد يكون خياراً أكثر فعالية في ظل تصاعد التوتر في المنطقة.
ويحذر اقتصاديون من أن الحرب قد تستمر لفترة أطول إذا استمرت المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران دون تسوية سياسية.
ويرى بعض الخبراء أن طهران قد تسعى إلى إطالة أمد الصراع للحصول على ضمانات أمنية وتخفيف العقوبات المفروضة عليها.
وفي ظل هذه الظروف تبقى تركيا من أكثر الاقتصادات الإقليمية عرضة للتأثر بالحرب، بسبب اعتمادها الكبير على واردات الطاقة وقربها الجغرافي من بؤرة الصراع.





