أثار قرار وزارة الخزانة الأمريكية استهداف فروع بنك مصر في الإمارات ضمن حملة جديدة لتشديد الضغوط الاقتصادية على إيران، قلقاً متزايداً في القاهرة بشأن احتمال امتداد تداعيات الخطوة إلى المؤسسة المصرفية المصرية الأم وعلاقاتها مع البنوك والمؤسسات المالية الدولية.
وجاء القرار على خلاف التوقعات التي سبقت الإعلان الأمريكي، بعدما رجحت التكهنات أن تطال الإجراءات مؤسسات مالية صينية، في ظل كون الصين أكبر مشترٍ للنفط الإيراني. إلا أن واشنطن أعلنت إجراءات تستهدف عمليات بنك مصر في الإمارات، في خطوة وضعت أحد أكبر البنوك المصرية في قلب حملة العقوبات الأمريكية المرتبطة بإيران.
وقالت وزارة الخزانة الأمريكية إن فروع بنك مصر في الإمارات عالجت، خلال العامين ونصف العام الماضيين، معاملات تبلغ قيمتها نحو 1.8 مليار دولار لصالح 103 شركات قالت إنها قد تكون مرتبطة بشبكة الظل المصرفية الإيرانية.
ووصفت الوزارة البنك بأنه يمثل «حلقة بالغة الأهمية» في وصول النظام الإيراني إلى النظام المالي القائم على الدولار، في ظل القيود الأمريكية التي تمنع طهران من الوصول المباشر إلى العملة الأمريكية.
وبموجب الإجراء المقترح، تسعى شبكة مكافحة الجرائم المالية التابعة لوزارة الخزانة الأمريكية إلى حرمان بنك مصر الإمارات من الوصول إلى خدمات المراسلة المصرفية لدى المؤسسات المالية الأمريكية، الأمر الذي يعني عملياً تقييد قدرته على تنفيذ معاملات مرتبطة بالنظام المالي الأمريكي والدولار.
وأعلنت السلطات الأمريكية أن البنوك والمؤسسات المالية مطالبة باتخاذ إجراءات لمنع معالجة معاملات تشمل فروع بنك مصر في الإمارات عبر حسابات المراسلة الأمريكية، مع تشديد إجراءات التدقيق على العمليات المالية ذات الصلة.
ورغم أن الإجراءات تستهدف فروع البنك في الإمارات تحديداً، فإن القلق في القاهرة يتركز على احتمال أن تؤدي القضية إلى ما هو أبعد من حدود تلك الفروع.
وأكدت السلطات المصرية أن الإجراءات الأمريكية لا تشمل بنك مصر داخل مصر ولا فروعه الأخرى خارج الإمارات، مشددة على أن الجهاز المصرفي المصري يتمتع بالقوة والمتانة.
لكن مسؤولين ومراقبين ماليين يخشون من أن تتعامل البنوك الأجنبية مع القضية بمنطق «تقليل المخاطر»، بما قد يؤدي إلى تشديد التدقيق على المعاملات المرتبطة بالمؤسسة الأم.
ويحذر خبراء من أن المؤسسات المالية الدولية قد تصبح أكثر تحفظاً في تعاملاتها مع بنك مصر، حتى في الحالات التي لا تكون مشمولة مباشرة بالإجراءات الأمريكية، خوفاً من أي مخاطر قانونية أو رقابية محتملة.
ويشكل ذلك مصدر قلق خاصاً بالنسبة إلى مصر، التي تواجه اقتصاداً حساساً للضغوط الخارجية، في ظل استمرار الحاجة إلى النقد الأجنبي وتراجع قيمة العملة خلال السنوات الماضية والضغوط المتواصلة على المالية العامة.
كما تعتمد القاهرة على تدفقات مالية خارجية، وعلى تحويلات المصريين العاملين في الخارج، باعتبارها أحد المصادر الرئيسية للعملات الأجنبية.
وتزداد حساسية القضية بالنظر إلى مكانة بنك مصر في الاقتصاد المصري. فقد تأسس البنك عام 1920، ويرتبط تاريخياً باسم الاقتصادي المصري طلعت حرب، وكان من أبرز المشاريع الاقتصادية التي هدفت إلى بناء مؤسسة مالية مصرية تعتمد على رأس المال الوطني. وتشير وثائق البنك إلى دوره التاريخي في تأسيس ودعم قطاعات اقتصادية مصرية متعددة.
ويعد بنك مصر اليوم من المؤسسات المالية الكبرى في البلاد، كما يمتلك شبكة واسعة من الأنشطة والاستثمارات والعلاقات المصرفية داخل مصر وخارجها.
وفي الإمارات، يعمل البنك منذ عقود، ويملك شبكة من الفروع والمكاتب التي تقدم خدمات مصرفية للشركات والأفراد والاستثمارات. وتؤكد بيانات البنك الرسمية وجود عمليات له في دبي وأبوظبي ومناطق أخرى داخل الإمارات.
وتكتسب هذه الفروع أهمية إضافية بسبب وجود أعداد كبيرة من العمالة المصرية في دول الخليج، واعتماد جزء من حركة التحويلات المالية على القنوات المصرفية العاملة في المنطقة.
وبحسب المعلومات الأمريكية، فإن عملاء فروع بنك مصر في الإمارات شملوا شركات قالت واشنطن إنها شركات واجهة مرتبطة بجهات إيرانية، بينها مؤسسات مرتبطة بوزارة الدفاع والحرس الثوري.
كما اتهمت الخزانة الأمريكية هذه الشبكات بالسعي إلى الالتفاف على العقوبات وغسل الأموال لصالح جهات وشخصيات إيرانية خاضعة للضغوط الأمريكية.
ومع ذلك، تجنبت واشنطن استخدام أكثر أدوات العقوبات المالية قسوة، إذ لم تعلن تجميد جميع أصول فروع البنك في الولايات المتحدة، كما لم تفرض عقوبات ثانوية واسعة على جميع المؤسسات الأجنبية التي تتعامل معه.
ويرى مراقبون أن هذه الصيغة تهدف إلى توجيه ضربة مالية محددة لإيران مع محاولة تقليل التداعيات المحتملة على النظام المالي المصري والعالمي.
لكن محدودية العقوبات القانونية لا تعني بالضرورة محدودية آثارها العملية، إذ إن المؤسسات المالية الدولية غالباً ما تتبنى إجراءات أكثر تشدداً من المطلوب قانونياً عندما يتعلق الأمر بالعقوبات الأمريكية.
وهنا يكمن مصدر القلق الحقيقي بالنسبة إلى القاهرة: فمجرد إدراج فروع بنك مصر الإمارات ضمن حملة أمريكية مرتبطة بإيران قد يدفع إدارات المخاطر والامتثال في البنوك الدولية إلى إعادة تقييم تعاملاتها مع البنك.
وتأتي الخطوة ضمن حملة أمريكية أوسع ضد الشبكات المالية التي تتهمها واشنطن بمساعدة إيران على تجاوز العقوبات.
وشملت الإجراءات أيضاً مدير فرع بنك ملي الإيراني في دبي، إلى جانب شركة مقرها هونغ كونغ اتهمتها الولايات المتحدة بالمساعدة في عمليات غسل أموال لصالح شركة صرافة إيرانية خاضعة للعقوبات.
وفي حين تصر القاهرة على أن الإجراءات محصورة بفروع بنك مصر في الإمارات، تبقى الأنظار موجهة إلى كيفية تعامل المؤسسات المالية الدولية مع القرار خلال الفترة المقبلة.
فأي تشدد إضافي في التعامل مع بنك مصر أو المؤسسات المصرية قد يضيف عبئاً جديداً على اقتصاد يعاني أصلاً ضغوطاً متواصلة.
وبينما تسعى واشنطن إلى استخدام العقوبات المالية لخنق القنوات التي تتهم إيران بالاعتماد عليها للوصول إلى الدولار، تجد مصر نفسها أمام اختبار جديد يتعلق بقدرتها على حماية أحد أهم بنوكها من التداعيات غير المباشرة لحملة العقوبات الأمريكية.





