أظهر استطلاع رأي حديث أن غالبية واسعة من الأوروبيين تؤيد منح الحكومات الوطنية سيطرة أكبر على إدارة حدودها، في مؤشر واضح على تراجع الثقة بإدارة ملف الهجرة على مستوى الاتحاد الأوروبي، وتنامي الضغوط السياسية لإعادة بعض الصلاحيات من بروكسل إلى العواصم.
وأفاد الاستطلاع، الذي شمل 11,714 مشاركًا في 23 دولة عضو في الاتحاد الأوروبي وأجرته شركة الاتصالات الاستراتيجية FGS Global، أن 71% من المستطلعة آراؤهم وافقوا على أن “الاتحاد الأوروبي بحاجة إلى السماح للدول الأعضاء بالتحكم بشكل أكبر في حدودها حتى تتمكن من إدارة الهجرة بصورة أفضل”. وقد شاركت نتائج الاستطلاع حصريًا مع موقع بوليتيكو.
وتأتي هذه النتائج في وقت تسعى فيه حكومات أوروبية عدة إلى تشديد ضوابط الهجرة، وسط ضغوط داخلية متصاعدة بسبب ارتفاع أعداد الوافدين غير النظاميين، وتصاعد الجدل السياسي حول تأثير الهجرة على الأمن والخدمات العامة والتماسك الاجتماعي.
لكن هذا التوجه يضع أحد أبرز منجزات الاتحاد الأوروبي، منطقة شنغن للسفر من دون جوازات، أمام اختبار صعب. إذ تعهدت دول شنغن، وعددها 29 دولة بينها 25 عضوًا في الاتحاد الأوروبي، بإلغاء عمليات التفتيش على الحدود الداخلية.
ولا يسمح بإعادة فرض هذه الضوابط إلا بشكل مؤقت كإجراء أخير، ولمدد محدودة لا تتجاوز ستة أشهر قابلة للتمديد حتى عامين في حالات استثنائية.
ورغم ذلك، أبلغت 12 دولة عضو منذ عام 2025 المفوضية الأوروبية بإعادة فرض ضوابط حدودية مؤقتة، مشيرة في ثماني حالات منها إلى الهجرة كسبب رئيسي. وفي الواقع، تطبق بعض الدول عمليات تفتيش داخلية منذ سنوات، ما أثار مخاوف متزايدة بشأن تآكل عملي لمنطقة شنغن.
وخلال اجتماع لوزراء الاتحاد الأوروبي في قبرص الأسبوع الماضي، ناقش المسؤولون كيفية الحد من الهجرة عبر الحدود الداخلية لحماية نظام شنغن.
وقال وزير العدل القبرصي كوستاس فيتيريس إن استمرار منطقة السفر دون تفتيش “يعتمد على الثقة والمسؤولية المشتركة”، في إشارة إلى الخلاف المزمن حول تقاسم أعباء الهجرة.
وتظل مسألة “المسؤولية والتضامن” جوهر الخلاف داخل الاتحاد الأوروبي، حيث تتحمل دول تقع على الحدود الخارجية، مثل إيطاليا واليونان، العبء الأكبر من استقبال المهاجرين، بينما تشكو دول أخرى من ما يسمى “التحركات الثانوية”، أي انتقال المهاجرين من دولة الدخول الأولى إلى دول أخرى داخل التكتل.
وقال مفوض الهجرة الأوروبي ماغنوس برونر إن التوازن مطلوب بين مسؤولية الدول الحدودية الخارجية وتضامن بقية الدول الأعضاء، لكنه أقر بصعوبة التوصل إلى حل شامل.
فخلال التحضيرات لأول “صندوق تضامن” أوروبي لتوزيع أعباء الهجرة، احتدمت الخلافات حول طبيعة المساهمات، سواء كانت مالية أو عبر نقل طالبي لجوء.
وفي المقابل، برزت لوكسمبورغ كأحد المدافعين القلائل عن الحفاظ على شنغن. وأعرب وزير داخليتها ليون غلودن عن أسفه لربط الهجرة بحرية التنقل، مؤكداً أن “الهجرة غير النظامية لا تحدث بين لوكسمبورغ وألمانيا”، وأن الحل يكمن في تعزيز حماية الحدود الخارجية للاتحاد، لا في تقويض حرية التنقل داخله.
وتعكس نتائج الاستطلاع، في المحصلة، تحولاً في المزاج العام الأوروبي، حيث باتت قطاعات واسعة من الرأي العام ترى في استعادة السيطرة الوطنية على الحدود مدخلاً ضرورياً لإدارة الهجرة، حتى لو جاء ذلك على حساب أحد أكثر رموز التكامل الأوروبي حساسية.





