تعيش إيران مرحلة مراجعة داخلية مؤلمة مع اتساع النقاش العام حول ما يصفه سياسيون وأكاديميون وناشطون بـ«الكارثة» التي أعقبت موجة الاحتجاجات الأخيرة والقمع العنيف الذي واجهتها به قوات الأمن، في وقت تتزايد فيه الدعوات لإجراء تحقيق خارجي مستقل في حصيلة القتلى، التي تشير بعض التقديرات غير الرسمية إلى أنها قد تتجاوز 30 ألف شخص.
وبرغم القيود الصارمة على الإعلام والفضاء العام، بدأت ملامح نقاش نادر في الظهور داخل المجتمع الإيراني، مع انفتاح محدود لصحف مختارة وقنوات على تطبيق «تيليغرام» على جمهور أوسع، في محاولة لاستيعاب صدمة الأحداث التي هزّت البلاد وخلّفت آثارًا سياسية واجتماعية واقتصادية عميقة.
وتكشف هذه التطورات عن انقسامات متزايدة داخل السياسة والمجتمع والمؤسسات، بما يوحي بأن إيران قد تدخل مرحلة أكثر غموضًا من مجرد مرحلة قمع تقودها المؤسسة الأمنية.
فإلى جانب المطالبات بتحديد العدد الحقيقي للضحايا، تتصاعد دعوات لإعادة فتح الإنترنت بشكل كامل لإنقاذ شركات على شفا الإفلاس، ولإعادة النظر في توجهات السياسة الخارجية التي يرى منتقدون أنها عمّقت عزلة البلاد وفاقمت أزمتها الاقتصادية.
وتتزامن هذه النقاشات مع ضغوط اقتصادية خانقة، إذ يحذّر خبراء من أن التضخم الغذائي يقترب من مستوى 200% سنويًا، وهو معدل غير قابل للاستدامة، فيما يتعرض الريال الإيراني وسوق الأسهم لضغوط متواصلة، وسط تأثير مزدوج للعقوبات والعلاج الاقتصادي الصادم.
ورغم تباين الروايات الرسمية وغير الرسمية حول ما جرى، فإن قلة فقط تنكر حجم المأساة. وتبدو الأزمة أكثر إرباكًا للتيار الإصلاحي، الذي تولّى الرئاسة خلال الأشهر الثمانية عشر الماضية، وكان قد وصف الاحتجاجات في بدايتها بأنها «مشروعة».
وكتب عالم الاجتماع الإصلاحي محمد فاضلي أن «تاريخ إيران سيظل متشابكًا مع هذا الحدث لعقود، مدفونًا تحت أنقاض هذه الكارثة»، معبّرًا عن شعور واسع بالإخفاق والحيرة داخل النخب.
وبدأت تظهر انتقادات علنية للأجهزة الأمنية، خاصة بعد تقليلها من عدد القتلى إلى نحو 3 آلاف فقط. ويعزو كثير من المعلقين اندلاع الاحتجاجات إلى فقدان الأمل واتساع الفجوة الجيلية بين متظاهرين شبّان وقيادة سياسية متقدمة في السن.
وقال الصحفي الإصلاحي والسجين السياسي السابق أحمد زيد آبادي إن «تقريرًا مهنيًا من خبراء مستقلين تابعين للأمم المتحدة وحده يمكن أن يكون الفيصل بين الروايات المتضاربة»، محذرًا من أن رفض طهران لمثل هذا التحقيق سيكون «خطأً تاريخيًا».
وفي السياق ذاته، ألمحت رئيسة جبهة الإصلاح آذر منصوري إلى أن الحقيقة لم تُكشف بعد، متعهدة بعدم السماح بنسيان الضحايا.
وعلى مستوى الحكومة، أشارت المتحدثة الرسمية فاطمة مهاجراني إلى ضرورة إجراء تحقيقين في أحداث محددة خلال الاحتجاجات، في موقف يُعدّ تراجعًا جزئيًا عن الرفض السابق لأي تحقيق.
كما طالب نائب الرئيس محمد رضا عارف وزارة الثقافة بتوضيح أسباب إغلاق صحيفة «هم ميهان» الإصلاحية بعد نشرها تقارير عن العنف.
ويشكو مدافعون عن حرية الصحافة من أن المشهد الإعلامي بات محاصرًا بين قنوات رسمية دعائية وقنوات فضائية معارضة تبث من الخارج، ما يزيد من الاستقطاب ويقلّص الثقة. وأصدرت رابطة طلاب جامعة طهران بيانًا قالت فيه إنها «مصدومة مما حدث»، مطالبة بمحاسبة المسؤولين.
وفي ملف السياسة الخارجية، لا تزال الدعوات لتقديم تنازلات جوهرية محدودة، لكن أصواتًا اقتصادية بارزة ربطت بوضوح بين العزلة الدولية وتدهور الأوضاع المعيشية.
وقال الخبير الاقتصادي جواد صالحي إن «الحل الفعال على المدى القصير هو تسوية الخلافات في السياسة الخارجية»، فيما اعتبر وزير التجارة السابق فيض الله عربسورخي أن غياب النمو سببه الرئيسي هو السياسات الخارجية، مشيرًا إلى أن «حتى الصين تنصح إيران بحل مشاكلها مع الولايات المتحدة».
في المقابل، يثار داخل إيران تساؤل حول ما إذا كان أي تصعيد خارجي جديد—عبر هجوم أو حصار—قد يؤدي إلى «نهضة قومية» كما حدث في فترات سابقة.
وبينما تراهن الحكومة على هذا السيناريو، يقارن بعض الإيرانيين شعورهم الحالي بفقدان السيادة بعام 1941، عندما تعرضت البلاد للاحتلال خلال الحرب العالمية الثانية.
غير أن آخرين يبدون خيبة أمل من عدم استثمار السلطات فرصة رسم مسار جديد بعد حرب الأيام الاثني عشر في يونيو الماضي، ويرون في بعض الهتافات الداعية لعودة الشاه تعبيرًا عن اليأس والبحث عن خلاص خارجي.
ووصف الناشط السياسي المسجون أبو الفضل غدياني قمع الاحتجاجات بأنه «جريمة ضد الإنسانية»، معتبرًا أن توجيهات القيادة العليا كانت حاسمة في استخدام القوة، وأن حجم ما جرى «غير مسبوق منذ قرن».
وفي حين ترى الأجهزة الأمنية أن هذه الانتقادات تبرر الإبقاء على السيطرة الصارمة على الإنترنت، يؤكد أعضاء في الحكومة أن قرار القطع بيد الأجهزة الأمنية، في مؤشر إضافي على عمق التوترات داخل النظام.
وبين مأساة إنسانية غير محسومة الأرقام، وانقسام سياسي واجتماعي، وضغوط اقتصادية خانقة، تبدو إيران أمام مفترق طرق، حيث يتقاطع سؤال المحاسبة مع مستقبل الاستقرار والاتجاه الذي ستسلكه الدولة بعد واحدة من أعنف محطاتها الداخلية.





