تتجه أسواق النفط العالمية إلى أسبوع جديد من التقلبات الحادة وسط استمرار الغموض المحيط بالمفاوضات الأمريكية الإيرانية وتعطل حركة الملاحة في مضيق هرمز، في وقت يحذر فيه محللون من احتمال عودة الخام الأمريكي إلى ما فوق 100 دولار للبرميل إذا فشلت جهود التهدئة الحالية.
وارتفع خام برنت، المعيار العالمي الذي يقيس نحو ثلثي تجارة النفط العالمية، بنسبة 2.53% الجمعة ليصل إلى 105.2 دولارات للبرميل، بينما صعد خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي بنسبة 1.99% إلى 98.27 دولاراً للبرميل.
لكن رغم الارتفاع الأخير، يتجه خام برنت لإنهاء الأسبوع على انخفاض يقارب 4%، بينما يسجل الخام الأمريكي تراجعاً أسبوعياً يقترب من 7%، في ظل التذبذب المستمر الناتج عن الأخبار المتناقضة حول فرص التوصل إلى اتفاق مع إيران وإعادة فتح مضيق هرمز.
ويعد المضيق أحد أهم الممرات البحرية للطاقة في العالم، حيث تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط الخام والغاز الطبيعي المسال القادمة من الخليج، إلا أنه ما يزال مغلقاً فعلياً نتيجة التهديدات الإيرانية والمخاطر الأمنية المرتبطة بالشحن البحري.
وقالت كبيرة المحللين في شركة “سويسكوت”، إيبيك أوزكارديسكايا، إن حالة عدم اليقين بشأن المفاوضات ستبقى العامل الرئيسي المؤثر على حركة الأسعار خلال المرحلة المقبلة.
وأضافت: “اعتماداً على نتائج المفاوضات، أو غيابها، سترتفع أسعار النفط أو تنخفض. وإذا لم يتحقق أي تقدم ملموس فقد نرى الخام الأمريكي يعود مجدداً فوق مستوى 100 دولار للبرميل”.
وجاءت تحركات الأسعار بعد تصريحات وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، الذي تحدث عن “تقدم طفيف” في المحادثات مع إيران، لكنه شدد على رفض واشنطن القاطع لأي محاولة إيرانية لفرض رسوم عبور على السفن في مضيق هرمز.
وقال روبيو إن العالم بأسره يعتبر نظام الرسوم الإيراني “غير مقبول وغير قانوني”، مضيفاً أن فرض رسوم على الملاحة في المضيق سيجعل التوصل إلى اتفاق دبلوماسي أمراً شبه مستحيل.
ورغم لهجة التصعيد، أكد الوزير الأمريكي أن الدبلوماسية ما تزال الخيار المفضل لدى واشنطن، في وقت تستمر فيه الخلافات العميقة مع طهران بشأن البرنامج النووي ومستقبل إدارة المضيق.
ويرى خبراء أن الأسواق لم تعد تركز فقط على احتمالات التوصل إلى اتفاق سياسي، بل على ما إذا كانت أي تسوية ستترجم فعلياً إلى عودة تدفقات النفط والشحن البحري إلى مستوياتها الطبيعية.
وقال أحمد الجقعة، رئيس قسم أبحاث الأسواق المالية في مجموعة “إيكويتي”، إن السؤال الأساسي لم يعد يقتصر على إمكانية تحقيق تقدم دبلوماسي، بل ما إذا كانت هذه الدبلوماسية “ستتحول إلى براميل نفط حقيقية تعود للأسواق”.
وأضاف أن أي إعلان عن وقف إطلاق النار قد يخفف جزئياً من المخاطر الحالية، لكنه لن يؤدي بالضرورة إلى انخفاض حاد في الأسعار ما لم تستأنف حركة الشحن والتأمين وعمليات الموانئ والتصدير بشكل طبيعي داخل الخليج.
وفي هذا السياق، حذر وزير الصناعة والتكنولوجيا المتقدمة الإماراتي سلطان الجابر من أن أزمة مضيق هرمز لن تُحل سريعاً حتى لو انتهت الحرب فوراً.
وقال الجابر خلال نقاش في واشنطن إن عودة تدفقات الطاقة إلى نحو 80% من مستويات ما قبل الحرب قد تستغرق أربعة أشهر على الأقل، بينما قد لا تعود التدفقات الكاملة قبل الربع الأول أو الثاني من عام 2027.
وكانت الحرب الحالية قد بدأت في 28 فبراير الماضي عقب الضربات الجوية الأمريكية والإسرائيلية على إيران، قبل أن ترد طهران بهجمات صاروخية وإغلاق شبه كامل لمضيق هرمز، ما أدى إلى قفزة حادة في أسعار النفط العالمية بسبب المخاوف على الإمدادات القادمة من الشرق الأوسط.
كما يراقب المستثمرون عن كثب بيانات المخزونات الأمريكية للحصول على مؤشرات حول وضع العرض والطلب داخل السوق.
وأظهرت البيانات الأخيرة انخفاض مخزونات النفط الخام التجارية في الولايات المتحدة بنحو 7.86 ملايين برميل، بينما بقي معدل تشغيل المصافي مرتفعاً عند 91.6%، ما يعكس استمرار الطلب القوي على الخام رغم ارتفاع الأسعار.
وقال الجقعة إن تقرير المخزونات المقبل سيكون مهماً لتحديد ما إذا كانت الأسعار المرتفعة بدأت فعلاً تؤثر سلباً على الطلب، أم أن الأسواق ما تزال مضطرة لسحب كميات إضافية من المخزون لتغطية احتياجات الاستهلاك والتصدير.
ويرى محللون أن الأسواق النفطية دخلت مرحلة شديدة الحساسية، حيث أصبحت أي تصريحات سياسية أو تطورات عسكرية أو مؤشرات مرتبطة بمضيق هرمز قادرة على تحريك الأسعار بشكل حاد خلال ساعات قليلة.
كما يؤكدون أن استمرار إغلاق المضيق لفترة أطول سيزيد من الضغوط على الاقتصاد العالمي، خاصة مع ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين والطاقة، ما قد يدفع بأسعار الوقود والسلع إلى مستويات أعلى خلال الأشهر المقبلة.





