أزمة ثقة تضرب القارة: قادة أوروبا يواجهون موجة غضب شعبي غير مسبوقة

كير ستارمر

شارك

تتصاعد مؤشرات التراجع الشعبي لقادة أوروبا في وقت حساس سياسياً واقتصادياً، حيث تكشف بيانات جديدة أن عدداً من أبرز الزعماء الأوروبيين يواجهون مستويات تأييد متدنية بشكل لافت، وسط غضب عام بسبب التضخم والركود وأزمات الهجرة، إضافة إلى فضائح سياسية تزيد المشهد تعقيداً.

أحدث حلقات هذا المشهد تتمثل في وضع رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، الذي وجد نفسه في قلب عاصفة سياسية بعدما هددت تداعيات ملفات جيفري إبستين بإرباك حكومته.

ورغم رفضه دعوات الاستقالة، فإن الضغوط الداخلية تتزايد بعد الكشف عن أن بيتر ماندلسون، السفير الأمريكي السابق الذي عيّنه ستارمر ثم أقاله لاحقاً، كان صديقاً مقرباً لإبستين.

والمفارقة أن حزب العمال فاز قبل أقل من عامين بأغلبية ساحقة أنهت سنوات من حكم المحافظين، لكن المزاج العام تغير بسرعة. ووفقاً لمجلة “الإيكونوميست”، أصبح ستارمر أكثر رئيس وزراء بريطاني مكروه على الإطلاق من حيث صافي الشعبية.

ويأتي هذا التراجع في وقت يواجه فيه البريطانيون ارتفاعاً مستمراً في تكاليف المعيشة، وضغوطاً اقتصادية ناتجة عن تباطؤ النمو، إضافة إلى إرهاق عام من الأزمات المتلاحقة.

ويرى مراقبون أن فضيحة إبستين لم تكن السبب الوحيد للغضب، بل جاءت كعامل مسرّع في بيئة مشبعة أصلاً بعدم الرضا.

لكن أزمة الشعبية لا تقتصر على بريطانيا. بيانات حديثة صادرة عن مؤسسة “مورنينغ كونسلت” تظهر أن ستارمر ليس حتى الزعيم الأقل شعبية في أوروبا حالياً.

في فرنسا، يسجل الرئيس إيمانويل ماكرون نسبة تأييد متدنية لا تتجاوز 16%، في ظل احتجاجات متكررة ومعارضة قوية لسياساته الاقتصادية والاجتماعية. هذا الضعف يفتح الباب أمام حزب “التجمع الوطني” اليميني المتطرف لتعزيز حظوظه في الانتخابات الرئاسية المقبلة.
أما في ألمانيا، فيواجه المستشار فريدريش ميرز تحديات مماثلة، مع تراجع الثقة الشعبية في حكومته. ويعكس ذلك موجة أوسع من الاستياء الأوروبي المرتبط بقضايا التضخم والهجرة والقلق من فقدان الاستقرار الاقتصادي.

والمؤشر الأكثر إثارة للقلق بالنسبة للمؤسسات الأوروبية يتمثل في صعود الأحزاب اليمينية المتطرفة أو الشعبوية، التي تتصدر أو تقترب من صدارة استطلاعات الرأي في أكبر أربعة اقتصادات أوروبية: ألمانيا، المملكة المتحدة، فرنسا، وإيطاليا.

ويعكس هذا التحول تغيراً في المزاج السياسي العام، حيث يبحث الناخبون عن بدائل راديكالية بعد سنوات من الحكومات الوسطية أو التقليدية.

ويرى محللون أن التضخم المرتفع، والضغوط المرتبطة بالهجرة، والقلق من تداعيات الحرب في أوكرانيا، كلها عوامل غذّت هذا التحول.

والسؤال الذي يطرحه مراقبون اليوم: هل المشكلة في أداء الأفراد أم في النظام السياسي الأوروبي نفسه؟ فبعد جائحة كورونا، ثم الحرب في أوكرانيا، وارتفاع أسعار الطاقة، وجد المواطن الأوروبي نفسه أمام سلسلة أزمات متلاحقة قلّصت ثقته بالطبقة الحاكمة.

في بريطانيا، يواجه ستارمر تمرداً داخلياً في حزبه، لكن هذا التمرد ما كان ليكتسب زخماً لولا الانخفاض الحاد في شعبيته. وفي فرنسا وألمانيا، لا يبدو أن الحكومات قادرة حتى الآن على استعادة الزخم أو تقديم رواية مقنعة تعيد ثقة الناخبين.

والعامان المقبلان قد يكونان حاسمين لمستقبل التوازن السياسي في أوروبا. انتخابات رئاسية وتشريعية مرتقبة في فرنسا وألمانيا وبريطانيا ستختبر قدرة الأحزاب التقليدية على الصمود في وجه موجة اليمين.

كما أن استمرار الضغوط الاقتصادية أو اندلاع أزمات جديدة قد يدفع بمزيد من الناخبين نحو خيارات احتجاجية. وفي حال فوز أحزاب يمينية متشددة في أكثر من دولة كبرى، فقد ينعكس ذلك على سياسات الاتحاد الأوروبي تجاه الهجرة، والتجارة، والدفاع، والعلاقات عبر الأطلسي.

وعليه فإن القارة الأوروبية تمر بلحظة إعادة تقييم عميقة لقيادتها السياسية. وبينما يحاول القادة الحاليون احتواء الغضب الشعبي، فإن صناديق الاقتراع المقبلة قد تعيد رسم الخريطة السياسية بالكامل.

شارك

Facebook
X
WhatsApp
LinkedIn
Telegram
Email

قد يعجبك أيضاً